كل حصاة، فهذا تصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها مع قوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي: (لتأخذوا عني مناسككم).
وفيه: أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة.
وقيل: يقف مستقبل الكعبة وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رمياً بما يسمى حجراً، والله أعلم.
وأما حكم الرمي فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى ولزمه دم وصح حجه.
وقال مالك: يفسد حجه ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهن واحدة لم تكفه الست.
وأما قوله: (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَىَ الْخَذْفِ) فهكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ قال: وصوابه (مِثْلِ حَصَىَ الْخَذْفِ).
قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم، هذا كلام القاضي.
قلت: والذي في النسخ من غير لفظة (مِثْلِ) هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك ويكون قوله: (حَصَىَ الْخَذْفِ) متعلقاً بحصيات أي: رماها بسبع حصيات حصى الخذف (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ)، فحصى الخذف متصل بحصيات، واعترض بينهما يكبر مع كل حصاة وهذا هو الصواب، والله أعلم.
هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافة سوى ابن عباس: أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمي ويحلق ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل التحللان ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة التي هي رمي جمرة العقبة والحلق والطواف.
وأما احتجاج ابن عباس بالآية فلا دلالة فيها لأن قوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ معناه: لا تنحر إلا في الحرم، وليس فيه تعرض للتحلل من الإحرام، لأنه لو كان المراد به التحلل من الإحرام لكان ينبغي أن يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم قبل أن يطوف.
وأما احتجاجه بأن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه لأن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة فلا يكون دليلاً في تحلل من هو ملتبس بإحرام الحج، والله أعلم.
قَالَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّىَ