تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك هو موقف الحضارة الحديثة في إرساء العلاقات بين الجماهير والرؤساء، أو ذلك هو مسلك الحضارة الإنسانية النبيلة في معاملة العرب خاصة والمسلمين عامة.. إنها حضارة ذكية بلا ريب، جميلة بلا ريب، لكن مذاقها مر، وكيدها سيء ، كأنها المرأة اللعوب " مي " التي وصفها الشاعر بقوله : على وجه مي مسحة من ملاحة وتحت الثياب الخزي ، لو كان بادياً ألم تر أن الماء يكدر طعمه وإن كان لون الماء أبيض صافياً وكلمة الخديوي توفيق للقائد المصري عرابي هي ترديد لكلمة فرعون قديماً عندما صاح بقومه : " ما علمت لكم من إله غيري " أو " أنا ربكم الأعلى ". وإلى هنا والصورة لا تعدو إبراز طاغية أمهله القدر أولاً ثم أهلكه أخيراً.. غير أننا من وجهة النظر الإسلامية نتناول الموضوع من ناحية أخرى ، ناحية لها أبعادها الرهيبة. فإن بعض " المتدينين " يعد عرابي خارجاً على السلطة ناقضاً للبيعة الشرعية (!) ويعد الخديوي أهل الولاء والطاعة.1_038

هذا الصنف من المتدينين يحارب " المثل العليا " في الحضارة الحديثة بتبني الأسلوب الخديوي وإضفاء الطابع الإسلامي عليه ، وهولا يدري شيئاً عن حقوق الشعوب أو حقوق الإنسان ، وعن أسس الشورى والبيعة والمساءلة التي عرفت منذ عهد الخلافة الراشدة .

من المضحك أن يتقدم هذا النفر من الناس بحضارة بديلة في ميدان العلاقات الإنسانية كما أنه من المضحك أن يتقدم المقلدون العميان بحضارة بديلة في ساحات الإبداع والكشف.

ومأساة الإسلام تكمن في أن ناساً يتقدمون بتقاليد الشعوب على أنها تعاليم الوحي ، بل إنهم يتقدمون بالأخطاء التاريخية على أنها توجيهات سماوية.

وستبقى الحضارة الحديثة حاكمة ما بقي هؤلاء يدعون ويكابرون ، ولن تصح مسيرة العالم إلاّ بعودة الإسلام ذاته على أيدي أولي الألباب ، ومن لهم قلوب..

الغزو الثقافي · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الغزو الثقافيص ٣٠