ولد النبي
صلى الله عليه وسلم
يوم الإثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة، وقيل غير ذلك، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النصف من المحرم، فبين الفيل ومولد رسول الله خمس وخمسون ليلة، وختن عبد المطلب حفيده يوم سابعه وسماه محمدا.
وأول من أرضع النبي
صلى الله عليه وسلم
ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له: مسروح، فأرضعته أياما قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت أبا سلمة بن عبد الأسد معه، فكان أخاه من الرضاعة، وقدم مكة عشر نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن الرضاع، فأصبن الرضاع كلهن إلا حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث السعدية، وكان معها زوجها الحارث بن عبد العزى بن رفاعة، وولده منها: عبد الله بن الحارث، والشيماء وهي التي كانت تحضن رسول الله مع أمها، فعرض رسول الله على حليمة، فجعلت تقول: يتيم ولا مال له، وما عست أم أن تفعل، فخرج النسوة وخلفنها، فقالت حليمة لزوجها: أما ترى قد خرج صواحبي وليس بمكة مسترضع إلا هذا الغلام اليتيم، فلو أخذناه فإني أكره أن أرجع إلى بلادنا ولم نأخذ شيئا، فقال لها زوجها: خذيه عسى الله أن يجعل لنا فيه خيرا، فجاءت إلى أمه فأخذته منها فوضعته في حجرها فأقبل عليه ثدياها حتى تقطرا لبنا فشرب رسول الله حتى روي، وشرب أخوه، ولقد كان أخوه لا ينام من الغوث،
8
فطابت نفس حليمة وسرت بذلك، ثم خرجت به إلى بلادها وكان يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر، فمكث عندها سنتين حتى فطم وكأنه ابن أربع سنين، فقدموا به على أمه زائرين لها، فأخبرتها حليمة خبره، وما رأت من بركته، فقالت أمه لحليمة: ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة، فرجعت به حليمة إلى ديارها فكان عندها سنة أو نحوها لا تدعه يذهب مكانا بعيدا، ثم ذهبت به إلى أمه لترده وهو ابن خمس سنين، وفي تلك السنة من مولده حينما قدمت به حليمة إلى عبد المطلب قدم مكة كاهن فنظر إليه مع عبد المطلب وقال: يا معشر قريش، اقتلوا هذا الصبي فإنه يفرقكم
9
ويقتلكم، فهرب به عبد المطلب، فلم تزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم منه، ولما بلغ رسول الله ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرا، فكان رسول الله يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه، قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك من كلامه، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء - مكان بين مكة والمدينة - توفيت أمه آمنة بنت وهب وقبرها هناك، فرجعت به أم أيمن إلى مكة، ولما مر رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في عمرة الحديبية بالأبواء قال: «إن الله تعالى قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه.» فأتاه رسول الله فأصلحه وبكى عنده وبكى المسلمون لبكائه، فقيل لرسول الله، فقال: «أدركتني رحمتها فبكيت.»
ولما توفيت أمه
صلى الله عليه وسلم
آمنة بنت وهب قبضه جده عبد المطلب وضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وقال قوم لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم الذي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به، وقال عبد المطلب لأم أيمن وكانت تحضن رسول الله: لا تغفلي عن ابني؛ فإني وجدته مع غلمان قريبا من السدرة،
10
وإن أهل الكتاب ليزعمون أن ابني نبي هذه الأمة، وفي السنة السابعة من مولده خرج عبد المطلب لتهنئة سيف بن ذي يزن في أرض اليمن، فأنبأه بنبيء يبعث من عقبه ورسول من فرعه اسمه محمد وأحمد، وحذره من أعدائه، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله وحياطته، ومات عبد المطلب وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل غير ذلك، وكان عمر رسول الله ثمان سنين، فلما توفي عبد المطلب ضمه أبو طالب، وكان أبو طالب فقيرا لا مال له، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله شبعوا، فكان إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم قال: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وفي السنة التاسعة من عمره خرج أبو طالب برسول الله إلى بصرى من أرض الشام، وفي سنة عشر من مولده كان الفجار الأول، وإنما سمي الفجار؛ لما استحلوا فيه من المحارم، ومن حملهم السلاح في الأشهر الحرام، وكان الحرب فيه ثلاثة أيام، ولما صار له اثنتا عشرة سنة وشهران ارتحل به أبو طالب إلى الشام، فنزلوا بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة وكان ذا علم في النصرانية، فنزلوا منزلا قريبا من صومعته، ثم دعاهم إلى طعام فجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، وقال لأبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود؛ فإن لابن أخيك شأنا عظيما، فرجع به أبو طالب بعد ما فرغوا من تجارتهم، وما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه.