ذكر يونس أنه رأى أعرابيا يرقص ابنه وسمعه ينشد هذه الأبيات:
159
يربوع ذا القنازع الدقاق
والودع والأحوية الأخلاق
بي بي أرياقك من أرياقي
وعارض كجانب العراق
التفسير: «اليربوع»: دويبة فوق الجرذ، ويربوع اسم علم. «القنازع»: جمع قنزعة وهي الخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي. «الودع» والودع: مناقيف صغار تخرج من البحر تزين بها العثاكيل، وهي خرز بيض جوف في بطونها شق كشق النواة تتفاوت في الصغر والكبر، وذو الودع: الصبي لأنه يقلدها ما دام صغيرا. «الأحوية»: جمع حواء وهي أخبية يدانى بعضها من بعض أو هي جماعة بيوت الناس إذا تدانت وهي من الوبر. «الأخلاق»: جمع خلق أي بال يستوي فيه المذكر والمؤنث، ثوب خلق وملحفة خلق والجمع أخلاق وخلقان وقد يقال: ثوب أخلاق يصفون به الواحد إذا كانت الخلوقة فيه كله. «بي بي»: بفتح الياء الأولى أي بنفسي أنت أفديك أو بيبي أي بأبي للتخفيف ومعناها أفديك بأبي، «أرياقك»: جمع ريق: وهو الرضاب أو ماء الفم غدوة قبل الأكل. «العارض»: ما بين الثنايا والأضراس ومنه قيل للمرآة: مصقول عوارضها. «كجانب العراق»: شبه أسنانه في حسن نبتتها واصطفافها على نسق واحد بعراق المزادة؛ لأن خرزه متسرد مستو، والعراق: الخرز المثني في أسفلها، وقيل: عراق القربة: الخرز الذي في وسطها.
يونس بن حبيب الضبي
أبو عبد الرحمن، بارع في النحو، من أصحاب أبي عمرو بن العلاء، سمع من العرب وروى عن سيبويه فأكثر وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، سمع من الكسائي والفراء، وكانت له حلقة بالبصرة ينتابها أهل العلم وطلاب الأدب وفصحاء الأعراب والبادية، قارب يونس تسعين سنة ولم يتزوج ولم يتسر، ومولده سنة تسعين، مات سنة ثنتين وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد. •••
ذكر ابن الأعرابي أن أعرابيا رقص ابنه فقال:
160
وابأبي أرواح نشر فيكا
كأنه وهن لمن يدريكا
إذا الكرى سناته يغشيكا
ريح خزامى ولي الركيكا
أقلع لما بلغ التدريكا
التفسير: «وا»: للندبة وهي هنا للدهش والتعجب. «بأبي»: أنت أفديك. «النشر»: الريح الطيبة. «فيك»: فمك. «الوهن»: الجبن والفتور عن الإقدام، «يدريك»: دريت فلانا أدريه إذا ختلته أي خدعته عن غفلة. «الكرى»: النوم والنعاس. «سناته»: جمع سنة وهي النعاس من غير نوم. «يغشيك»: غشيت الشيء تغشيه إذا غطيته، وقرئ في سورة الأنفال:
يغشيكم النعاس
و
يغشيكم النعاس . «الخزامي»: سبق شرحها. «ولي الركيك»: الولي: المطر يأتي بعد الوسمي، ووليت الأرض وليا: سقيت الولي وسمي وليا؛ لأنه يلي الوسمي وهو مطر أول الربيع؛ لأنه يسم الأرض بالنبات وهو يكون بعد الخرفي في البرد ثم يتبعه الولي في صميم الشتاء ثم يتبعه الربعي، فولي بمعنى سقي متعدية إلى مفعولين. «الرك» والرك: المطر القليل أو المطر الضعيف، وقيل: هو فوق الرش، والركيكة من المطر كالرك. «أقلع»: عن الشيء: كف عنه، «التدريك»: من المطر أن يدارك القطر كأنه يدرك بعضه بعضا.
ابن الأعرابي
هو محمد بن زياد أبو عبد الله من موالي بني هاشم كان نحويا عالما باللغة والشعر ناشئا، كثير السماع من المفضل بن محمد الضبي، راوية للأشعار حسن الحفظ لها، ولم يكن أحد من الكوفيين أشبه رواية برواية البصريين منه وكان أحول أعرج، قال ثعلب: شاهدت ابن الأعرابي وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان كل يسأله أو يقرأ عليه ويجيب من غير كتاب، قال: ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط، وما أشك في أنه أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ولم يكن أحد في علم الشعر واللغة أغزر منه، وكان ممن وسم بالتعليم، وكان يأخذ كل شهر ألف درهم فينفقها على إخوانه وأهله، وكان شيخا جميل الأخلاق، وكان المفضل الضبي زوج أمه، قال ابن الأعرابي: ما رأيت قوما أكذب على اللغة من قوم يزعمون أن القرآن مخلوق، ولابن الأعرابي من التصانيف: النوادر والأنواء ونسب الخيل ونوادر الزبيريين ونوادر بني فقعس والنبت والبقل، ومات ابن الأعرابي بسر من رأى سنة ثلاثين ومائتين، وقيل: إحدى وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، ومولده ليلة مات أبو حنيفة لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة سنة خمسين ومائة. •••