إن العاص بن وائل قال وهو يرقص ولده عمرا مرتجزا في حال طفولته:
161
ظني بعمرو أن يفوق حلما
وأن يسود جمحا وسهما
وينشق الخصم الألد رغما
وأن يقود الجيش مجرا دهما
يلهم أحشاد الأعادي لهما
التفسير: «جمح»: هو أبو بطن من قريش وهو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، «وسهم»: أخو جمح وهو من أجداد عمرو بن العاص. «ينشق»: أنشقته الدواء في أنفه: صببته فيه. «الخصم»: من الخصومة وهي الجدل. «الألد»: الخصم الجدل الشحيح الذي لا يرجع إلى الحق. «رغما»: الرغم: الذلة والكره. «الجيش مجرا»: جيش مجر كثير جدا، والمجر: الجيش العظيم المجتمع، «دهما»: جيش دهم أي كثير. «يلهم»: لهم الشيء يلهمه لهما ولهما: ابتلعه بمرة . «أحشاد»: جمع حشد، وحشد من الناس: أي جماعة قد احتشدوا.
العاص بن وائل
العاص - والعاصي بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية ويقع كثيرا بحذف الياء - ابن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي من رجالات العرب وذوي الرأي فيهم لما بادى
162
رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه
163
وناكروه
164
وأجمعوا خلافه
165
وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون، وحدب
166
على رسول الله عمه أبو طالب فمنعه وقام دونه ومضى رسول الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله لا يعتبهم
167
من شيء أنكروه عليه من فراقه وعيبه آلهتهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، وكان منهم العاص بن وائل فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا
168
وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا أو تخلي بيننا وبينه، فردهم أبو طالب ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، وجعل الإسلام يفشو بمكة في قبائل قريش، فاجتمع أشراف قريش من كل قبيلة عند ظهر الكعبة وكان منهم أيضا العاص بن وائل فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك.
ولما أسلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي فغدى إليه وإذا غلام جاءه وقال عمر: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد، فقام جميل على باب المسجد وأتبعه عمر وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ،
169
ويقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وثاروا وما برح يقاتلهم ويقاتلونه فينهاهم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة
170
وقميص موشى حتى وقف عليه فقال ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: مه،
171
رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا خلوا عن الرجل، فقال ابن عمر لأبيه بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي، والعاص هذا هو أبو عمرو بن العاص.
عمرو بن العاص
الصحابي هو أبو عبد الله ويقال: أبو محمد عمرو بن العاص بن وائل - وباقي النسب ذكرناه في نسب أبيه - أسلم عام خيبر أول سنة سبع، وقيل: أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة شهور، وقيل غير ذلك، وقدم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة فأسلموا، ثم أمره رسول الله في غزوات ذات السلاسل وهو وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من هجرة الرسول فدعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عمرو بن العاص، فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسا، وأمره بأن يستعين بمن يمر به من بلي وعذرة وبلقين وكان في جيشه من المهاجرين أبو بكر وعمر وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهم، وقال لأبي عبيدة لا تختلفا، واستعمله رسول الله على عمان فلم يزل عليها حتى توفي رسول الله، ثم أرسله أبو بكر - رضي الله عنه - أميرا إلى الشام فشهد فتوحه، وولي فلسطين لعمر بن الخطاب ثم أرسله عمر في جيش إلى مصر ففتحها ولم يزل واليا عليها حتى توفي عمر ثم أمره عليها عثمان أربع سنين، ثم عزله فاعتزل عمرو بفلسطين وكان يأتي المدينة أحيانا، ثم استعمله معاوية على مصر فبقي عليها حتى توفي واليا عليها ودفن بها، وكانت وفاته يوم الفطر سنة 42، وقيل: 43، وقيل غير ذلك، وكان عمره سبعين سنة، وصلى عليه ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان عمرو من أبطال العرب ودهاتهم، وكان قصيرا، ذا رأي، وأعتق عمرو كل مملوك له، وقيل لعمرو بن العاص: ما المروءة؟ فقال: «يصلح الرجل ماله ويحسن إلى إخوانه.» ولما حضرته الوفاة قال: «اللهم أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنزجر، ولست قويا فأنتصر ولا بريا فأعتذر ولا مستكبرا بل مستغفرا لا إله إلا أنت.» فما زال يرددها حتى توفي، روى عن رسول الله، وروى عنه أبو عثمان النهدي وقيس بن حازم وعروة بن الزبير وعبد الرحمن بن شماسة.