في الوقت الذي وضع فيه الإسلام القواعد والمبادئ الأساسيّة، على مستوى العقيدة والتشريع، وجدناه يترك للإنسان مساحة كبيرة للاجتهاد، مما أضفى مرونة على موقف المسلم وحركته في التاريخ. من هنا نجد أنّ موقف الكثير من فقهاء المسلمين يتأثر بالأجواء التي تسود بين المسلمين وغيرهم؛ فطبول الحرب لا بد أن تؤثّر في منحى الاجتهاد البشري. فمن الصعب، مثلاً، تقبّل الوجود اليهودي هذه الأيام في المجتمعات المسلمة، على اعتبار أنّه عدو لا يؤمن جانبه. وهذا الموقف يتناقض مع موقف المسلمين في الأندلس، نظراً لاختلاف الملابسات التاريخيّة. وفي الوقت الذي نبدو فيه اليوم أكثر مرونة وتسامحاً في التعامل مع الآخرين، إلا أننا نجد أنفسنا عاجزين عن التسامح مع جرائم اليهود وعدوانيتهم، بل إنّ دعوات التسامح اليوم تثير الشكوك والرّيبة. ويصح مثل هذا القول في حق الأمريكيين الذين يرتكبون الجرائم والفظائع صباح مساء. من هنا يتوقّع أن يتشدد المسلمون في مواقفهم ووجهات نظرهم من الأمريكيين البروتستانت على مدى عقود، بل ربما قرون.
عندما يكون موقف أي أمّة من الآخر مستنداً إلى فكرها وفلسفتها فإنّ هذا يجعل المسألة تتراوح بين التعصب المقيت، كما هو في بعض العقائد والأمم، وبين التسامح الإيجابي، كما هو في الإسلام، بل إنّ من أساسيّات الاعتقاد الإسلامي أنَّ النّاس هم أخوة في الأصل، وهم متساوون في الكرامة. وفي الوقت الذي يحدد فيه الإسلام موقفه بوضوح من الفلسفات والتشريعات الأخرى نجده يعتبر جميع البشر أخوة في الإنسانيّة، ويعتبرالاختلاف القائم على الأساس العرقي والقومي مدعاة إلى التعارف والتآلف:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم…" (الحجرات:13).