وقد لفت نظر العلماء أنّ فترة الطفولة (ما قبل البلوغ) في الإنسان هي أطول فترة في عالم الثديات، ونسبة هذه الفترة إلى متوسط عمر الإنسان هي أيضاً أعلى نسبة بين الثديات. وهذا يعني أنّ حاجة الإنسان إلى أبيه وأمه حاجة ماسّة، ولا تقوم حياته ابتداءً إلا بمساعدة الآخرين له على مدى سنوات طويلة.
لو افترضنا أنّ الأم، في المجتمعات البشريّة، هي التي تقوم وحدها برعاية الأطفال هذه المدّة الطويلة جداً، فهل بإمكانها وحدها أن تسعى لكسب رزقها وتربية أطفالها؟ واضح أنّ الأمر ضرب من المستحيل .
ولو افترضنا أنّ الأب هو الذي يقوم وحده برعاية الأطفال مدة طفولتهم، فيشرف على تربيتهم ورعايتهم وكسب رزقهم، فهل بإمكانه وحده أن يفعل ذلك؟ واضح أيضاً أنّ الأمر ضرب من المستحيل.
إذن لا بد من توزيع الأدوار بين الأم والأب. وهذا يعني أنّ صيغة الأسرة في الاجتماع البشري هي صيغة حتميّة، وهي ضرورة اقتضتها فطرة الإنسان. فلا مجال إذن للاستغناء عن هذه الصيغة الاجتماعيّة. وقد أخفقت تاريخياً كل المحاولات التي أرادت أن تقفز عن صيغة الأسرة.
في المجتمعات القديمة كان الإنسان يعمل ويعتمد على نفسه عندما يدرك سن البلوغ. وغالباً ما كان يتزوج ويُكوّن أسرة جديدة، ولكن عندما تطورت البشريّة وشهدت مرحلة الانفجار المعرفي والتقدم العلمي والتكنولوجي وجدنا أنّ فترة الطفولة والإعداد قد أخذت تطول، وأصبح الفرد غير قادر على الاستقلال والاعتماد على النفس، على وجه الخصوص في المجال الاقتصادي، وذلك نظراً لحاجته إلى التعليم الذي قد يمتد سنوات بعد بلوغه الثامنة عشرة. هذا يعني أنّ التطور العلمي والتكنولوجي أدّى إلى أن تطول فترة الإعداد، وأصبح الفرد أكثر حاجة إلى رعاية الآخرين. من هنا ازدادت حاجة الناس إلى صيغة الأسرة، فلم تعد الأسرة ضرورة بشريّة فقط، بل أصبحت ضرورة تطوّريّة؛ فكلما ارتقى المجتمع احتاج للأسرة أكثر.