وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات، المؤسسات التي أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعيها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق، فقد كان وقفاً للخيول والحيوانات العاجزة المسنّة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.
المدارس والمدرّسون:
ثم قامت المدرسة بجانب الكتّاب والمسجد، وكانت الدراسة فيها تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر. وكان التعليم فيها مجانياً ولمختلف الطبقات؛ فلم يكن يدفع الطلاب في دراستهم الثانوية والعالية رسماً ما من رسوم الدراسة التي يدفعها طلابنا اليوم، ولم يكن التعليم فيها محصوراً بفئة من أبناء الشعب دون فئة، بل كانت فرصة التعليم متوفرة لجميع أبناء الشعب، يجلس ابن الفقير بجانب ابن الغني، وابن التاجر بجانب ابن الصانع والمزارع. وكانت الدراسة فيها قسمين: قسماً داخلياً للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادية على أن يعيشوا على نفقات آبائهم، وقسماً خارجياً لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه. أما القسم الداخلي فكان بالمجان أيضاً، يُهيأ للطالب فيه الطعام والنوم والمطالعة والعبادة ... وبذلك كانت كل مدرسة تحتوي على مسجد، وقاعات للدراسة، وغرف لنوم الطلاب، ومكتبة، ومطبخ وحمام. وكانت بعض المدارس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرياضة البدنيّة في الهواء الطلق. ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي غمرت العالم الإسلامي كله؛ ففي دمشق لا تزال المدرسة النوريّة التي أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق الخياطين، لا تزال قائمة تعطينا نموذجاً حياً لهندسة المدارس في عصور الحضارة الإسلامية. لقد زارها الرحالة ابن جبير في أوائل القرن السابع الهجري، فأُعجب بها وكتب عنها:" من أحسن مدارس الدنيا مظهراً مدرسة نور الدين رحمه الله".