ويتبع ذلك أوقاف خاصة يُعطى ريعها لمن يريد الجهاد، وللجيش المحارب حين تعجز الدولة عن الإنفاق على كل أفراده. وبذلك كان سبيل الجهاد ميسراً لكل مناضل يودُّ أن يبيع حياته في سبيل الله ليشتري بها جنة عرضها السموات والأرض ...
ومن المؤسسات الاجتماعيّة ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور، ومنها ما كانت للمقابر حيث يتبرع المسلم بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة. ومنها ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم.
أما المؤسسات الخيريّة لإقامة التكافل الاجتماعي، فقد كانت عجباً من العجب؛ فهناك مؤسسات للقطاء واليتامى لرعايتهم، ومؤسسات للمقعدين وللعميان والعجزة، يعيشون فيها موفوري الكرامة، لهم كل ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضاً.
وهنالك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستواهم وتغذيتهم بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم. ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيات العزّاب ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور ... فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر... وقد كان من مَبرّات صلاح الدين أنّه جعل في أحد أبواب القلعة – الباقية حتى الآن في دمشق – ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر ...
ومن أطرف المؤسسات الخيريّة وقف الزبادي للأولاد الذين يكسرون الزبادي وهم في طريقهم إلى البيت، فيأتون إلى هذه المؤسسة ليأخذوا زبادي جديدة بدلاً من المكسورة، ثم يرجعوا إلى أهليهم وكأنّهم لم يصنعوا شيئاً.