فمكتبة صغيرة، كمكتبة النجف في العراق، كانت تحوي في القرن العاشر أربعين ألف مجلد، بينما لم تحوِ أديرة الغرب سوى اثني عشر كتاباً ربطت بالسلاسل، خشية ضياعها. ويحتاج تصنيف الكتب الموجودة في مدينة الريّ إلى عشرة فهارس كبيرة. وكان لكل مسجد مكتبته الخاصة، بل إنّه كان لكل مستشفى يستقبل زواره قاعة فسيحة صُفّت على رفوفها الكتب الطبيّة الحديثة الصدور، تباع لتكون مادة لدراسة الطلاب ومرجعاً للأطباء... ولقد جمع ناصر الدين الطوسي لمرصده في مراغة 400.000 مخطوطة.
وحذا حذو الخليفة في بغداد كل الأمراء العرب في مختلف أنحاء العالم العربي؛ فأربت، مثلاً، مكتبة أمير عربي في الجنوب على 100.000 مجلد. وروي أنه لما شفي سلطان بخارى، محمد المنصور، من مرضه العضال على يد ابن سينا، وهو بعد فتى لم يتجاوز الثامنة عشرة، كافأه السلطان على ذلك بأن سمح له أن يختار من مكتبة قصره ما يحتاج إليه من الكتب لدراسته، وكانت كتبها تشغل جزءاً كبيراً من القصر، وقد رُتبت حسب موضوعاتها. ويكتب ابن سينا عن ذلك فيقول:" وهناك رأيتُ كتباً لم يسمع أغلب الناس حتى بأسمائها".
ولا يستطيع أحد أن يقارن نفسه بالخليفة العزيز في القاهرة، حتى خليفة قرطبة الذي بعث رجاله وسماسرته في كل أنحاء الشرق ليجلبوا له الكتب فيزيد روائع مكتبته، أنّى له أن يصل إلى ما فعله العزيز؟! لقد حوت مكتبة العزيز 1.600.000 مجلد، فكانت بذلك أجمل وأكمل دار للكتب ضمّت 6500 مخطوطة في الرياضيات، و 18.000 مخطوطة في الفلسفة. ولم يمنع هذا قط ابنه من بعده، حين اعتلى العرش، من أن يبني مكتبة ضخمة فيها ثماني عشرة قاعة للمطالعة إلى جوار المكتبة القديمة.