... الرياضيات والفيزياء والكيمياء ... الخ، علوم موضوعها الواقع المادي، وهي علوم تتسم بالموضوعيّة إلى حد كبير؛ فهي غير متأثرة بوجهات النظر الخاصة للعلماء، ولا تختلف باختلاف عقائدهم ومذاهبهم. ويندر أن نلمس أثراً لأية عقيدة من العقائد في هذه العلوم، وعلى وجه الخصوص في المعطيات العلميّة التي هي حقائق؛ فعلم الرياضيات، مثلاً، أبعد ما يكون عن التأثر بعقائد وفلسفات الرياضيين، وذلك لأنّ عالم الرياضيّات هو عالم الحقائق، وعند الحقيقة تتحيّد الثقافات وتحل الموضوعيّة مكان الذاتيّة.
... شتان بين واقع علم الفيزياء قبل ألف سنة، وبين واقعه اليوم؛ فاتساع مساحات الحقيقة في معطيات هذا العلم يجعله غير متأثر بعقائد ومذاهب وخصوصيات الفيزيائيين. ويصدق هذا القول على علم الكيمياء أكثر مما يصدق على علم الفلك، لأنّ مساحات الحقيقة في علم الكيمياء أكبر منها في علم الفلك.
على الرُّغم من أنّ كل معرفة هي علم، إلا أنّ اصطلاح علم يغلب أن ُيطلق اليوم على علوم كالفيزياء والكيمياء والأحياء.. وغيرها من العلوم التي موضوعها المادة وبالتالي فهي عالميّة لا تخص حضارة بعينها، مما يجعلها تنتقل من أمة إلى أخرى من غير تحفّظ أو حساسيّة تجاهها. والملاحظ أنّ هذه العلوم لم تكن يوماً سبباً في اختلاف الأمم وصراعاتها وتحزبها وتحالفاتها؛ فالاختلاف في معطياتها لا يؤدّي إلى تنازع وأحقاد، ومن السهل أن يلتقي الناس في التصديق بحقائقها لأنّها حقائق، على النقيض تماماً من العلوم الإنسانيّة، التي يغلب أن تنتمي معطياتها إلى عالم الفرضيّات أو النظريّات.