تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّ عدم القدرة على مقاربة هذا المثال الأمثل لا ينفي عن المجتمع إسلاميّته، لأنّ مجتمع الصحابة كان استثناءً قصد به أن يكون الصورة المثلى للمدينة الفاضلة التي يشتاق إليها الناس فيسعون إليها. ويتميّز عصرنا اليوم على العصور السالفة بما تحصّل من وعي وعلم وطاقات وقدرات ووسائل وخبرات، وكل ذلك يساعد على مقاربة الصورة الاجتماعيّة المثلى؛ فالتطوّر الهائل في النظم السياسيّة، مثلا، يجعلنا الأقدر على التعويض عن التراجع الذي حصل في عالم القيم لدى الشعوب والحكومات؛ فالضمانات التي يوفرها الدستور والقانون ونظم القضاء والمؤسسات المجتمعيّة والوعي الشعبي والإعلام والوسائل المتطورة، كل ذلك يساعد في جعل قيمة كالعدل، مثلاً، أمراً يفرضه الواقع بعيداً عن ذاتية الحاكم.

البيعة عقد:

... البيعة عقد بين الرعيّة والراعي، بين الشعب والحاكم، وأي عقد لا يتوفّر فيه رُكن الرضى فهو باطل. وبما أنّ السلطة في الإسلام بيد الأمّة فهي حرّة أن تشترط على الحاكم ما تشاء من الشروط، ما لم تتعارض هذه الشروط مع نصوص شرعيّة صريحة. وبما أنّ الحاكم هو نائب عن الأمّة في تطبيق شرع الله فالأمّة حرّة في إنابة من تشاء لإقامة شرع الله، وهي أيضاً حرّة في إقالة هذا النائب واستبداله.

أجمع الفقهاء على جواز أن يبقى الخليفة في خلافته مدى الحياة. وقد ظن البعض أنً ذلك يعني أنّه لا يجوز شرعاً تنصيب خليفة لمدة معلومة مشترطة. وهذا خلط عجيب، فللأمّة أن تشترط ما تشاء، بما لا يتعارض مع نص صريح. فأين النص الذي يقول بوجوب بقاء الخليفة حتى الموت أو الاستعفاء؟! وإذا كانت مسألة تحديد مدّة تنصيب الحاكم هي من ابتداع النظم الغربيّة، فإنّ الحكمة هي ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ بها.

الفكرالعربي الإسلامي · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الفكرالعربي الإسلاميص ٢١١