... يختلف تأثّر الناس بالدين، وكذلك تختلف درجات قناعتهم ويقينهم؛ فهم يختلفون في علاقتهم بالدين الحق قوة وضعفاً، جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم:"المؤمنُ القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير". وعلى ضوء درجات الناس الإيمانيّة والسلوكيّة في الدنيا تكون درجات الآخرة:"وللآخرةُ أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً" (الإسراء:21) ويندر أن تجد إنساناً في بلادنا العربيّة والإسلاميّة لم يتأثر بالدين بطريقة أو بأخرى. وهذا يعني أنّ الدين يعمل في الناس في مستويات متفاوتة، ويختلف ذلك من عصر إلى آخر، ويبقى الإنسان قاصراً عن بلوغ الكمال الإيماني والسلوكي. ولقد كانت الخلافة الراشدة صورة فريدة ومتميّزة من صور النجاح المجتمعي، إلا أنها كانت دون المستوى الذي تَحَقق في عصر الرسول، عليه السلام. وليس غريباً أن نشهد نوعاً من التراجع بعد عصر الراشدين، فهذا أمر حتمي، لأنّ مجتمع الصحابة هو المثال الذي أعطي للناس ليحتذوا به، وليكون النموذج في كل العصور. يقول الله تعالى في حق مجتمع الصحابة الكرام:"كنتم خير أمّة أخرجت للناس…"(آل عمران:10) ويقول الرسول،عليه السلام، في الحديث الصحيح:" خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم…". وإذا كان وعي الناس ومستوى تقدّمهم في القرون الأولى لم يصل بهم إلى الدرجة التي تعينهم على أن يحافظوا على المثال الذي قدّمه مجتمع الصحابة الكرام- وهذا أمر بدهي يرجع إلى طبائع الاجتماع الإنساني- فإنّ هذا المثال سيبقى الحجة على البشريّة، وهي ملزمة أن تسعى إلى الاقتداء به ما استطاعت.
السعي نحو المثال: