... المطلوب الرضى الحقيقي للأمّة، ويُعبّر عنه اليوم بالاختيار الحر. ويجب علينا أن نتوسّل بالوسائل التي تجعلنا نتحقق من ذلك بنسبة 100%. ولكنّ ذلك غير ممكن، فيكون البديل عنه بذل غاية الإمكانيّة، والتي قد تكون في عصر من العصور معبّرة عن الواقع بنسبة 50 %. وفي حال تطور خبراتنا وإمكاناتنا وأساليبنا وطرائقنا بحيث تصبح معبّرة عن الواقع بنسبة 70% فلا يجوز عندها أن نلجأ إلى الأسلوب والطريقة التي تعبّر بنسبة 50% ؟! لأنّ الواجب التحقق من الرضى بنسبة 100%، والقبول بما هو أدنى نوع من التخفيف، لأنّ الله تعالى لا يُكلّف نفساً إلا وسعها، ولا يكلّفها إلا ما آتاها. وعليه، فإذا تطورت وسائل الانتخاب والاختيار فيجب علينا شرعاً أن نتمسّك بالوسائل الجديدة باعتبارها الأقرب إلى تحقيق ما أوجبه الشرع. وزيادة في الإيضاح نطرح السؤال الآتي: هل يجوز لخليفة معاصر أن يقاتل بالسيف ويترك وسائل القتال المعاصرة بحجة أنّ السيف كان سلاح السلف الصالح؟!
... إذا عرفنا ذلك أدركنا لماذا يَعتبر المسلمون الاختيار في عصر الراشدين اختياراً حقيقياً جوهرياً ومُرضياً، بغض النظر عن الأسلوب والشكل الذي تم فيه هذا الاختيار، والذي اختلف في بعض تفاصيله من خليفة إلى آخر. وعندما حرص معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، على تحقيق الشكل بعيداً عن الجوهر الدّال على رضى الأمة، وجدنا أنّ الأمّة، وعلى رأسها العلماء، تعتبر ذلك انحرافاً عن المبدأ. ويكفي للتدليل على ذلك أن نلفت الانتباه إلى أنّ تعبير (الخلفاء الراشدون) يحمل في طيّاته الإدانة لنظام الخلافة بعد ذلك، لأنّه إذا كان هذا هو الراشد، فما هو حكم ذاك؟ لذلك نجد أنّ العلماء قد ألحقوا عمر بن عبد العزيز بالخلفاء الراشدين.
العصر الراشد: