الذي قال عنه الذهبي: (وكان أحدَ المجتهدين) (1). يقول العز رحمه الله: (لو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك؛ جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة، إذ يبعد من رحمة الشرع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامة، وتحمُّل المفاسد الشاملة لفوات الكمال فيمن تعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد) (2). وكل منصف يعرف الغلاة في بلدنا يعلم يقينًا أنهم يكفِّرون مَن يفتي بهذه الفتوى ومن يعمل بها. ولست هنا في مقام دراسة فتوى هذا الإمام، وهل هي صحيحة في نظري القاصر أم لا، ولكنَّ الذي أريد أن أقوله أنَّ المسألة التي يتحدث عنها الإمام العز ليست من مسائل الإيمان والكفر، وإنما هي مسألة فقهية تدور بين التحريم والإباحة، أما الغلاة في بلدنا فلشدة جهلهم يندر أن تسمع منهم في كثير من الأمور أنَّ هذا الفعل أو القول حرام، بل لا تسمع إلا "ردة ومرتد"، وكبيرهم لا يتقن متنًا معتمدًا في الفقه أو الأصول.
وتأمل فيما يقوله القرطبي رحمه الله: (قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يُفوِّض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إنَّ هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز، والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه، والله أعلم.
قال الماوردي: فان كان المولي ظالماً، فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين:
أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأنَّ يوسف ولي من قبل فرعون، ولأنَّ الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره.
(1) () سير أعلام النبلاء 18/ 193.
(2) () قواعد الأحكام 1/ 75.