فقال كبيرهم : ألم تعطوا أباكم عهدا على أن ترجعوا به ، إن جرح يوسف لم يندمل ، وأن دموع عينيه لم تنقطع ثم قال : ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [ يوسف : 80 ] .
ثم لا مناص ﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ [ يوسف : 81 ] ، ذهب التسعة وبقى (هوذا) الذي عاهد أباه ، رجعوا إلى أبيهم ، وكاشفوه بالحقيقة يا أبانا وقع كيت وكيت ، وقد سرق بنيامين وصدقوه هذه المرة وقالوا : ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ [ يوسف : 81 ] أي ما علمنا في الغيب إنه سيسرق له شيئاً ، وإنما سألنا ما جزاء السارق ؟
وسل يا أبي القرية التي كنا فيها ، قيل هي مصر ﴿ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [ يوسف : 82 ] .
طبعاً يعقوب لم يتمالك نفسه ، ووقع الخبر عليه كالصاعقة هدت كيانه ، وأذهبت عقله فقال : ما صنعتم بأخيكم ، وما فعلتم بأيمانكم وقال : ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [ يوسف : 83 ].
ظن يعقوب أنها مكيدة جديدة ، كما فعلوا بيوسف فقال ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ .
ثم إنه تولى وأعرض عنهم وقال : ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [ يوسف : 84 ] .
جدّد له حزن الآن الحزن الدفين وابيضت عيناه : ذهب سوادهما وعمي من شدة كثرة البكاء . وكظيم : كئيب .
مكث مدة يعقوب ، يبكي ويتألم حتى ضوى جسمه وانهد وابيضت عيناه .