شاعت المقالة ، وأخذت ألواناً وأشكالاً حتى رنَّ ذلك في أذن امرأة العزيز ما يقول الناس منها ، فدعت صديقاتها من نساء المدينة ، وهيأت لهن متكئاً ، أي مفارش ووسائد ، وطعام من فاكهة ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ﴾ [ يوسف : 31 ] .
ثم أمرت يوسف ﴿ وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ [ يوسف : 31 ] وانبهرن بحسنه وجماله ، فهو شاب لا كالشباب ، أيلح الغرة ، وضيء الطلعة ، حلو الملامح ، فاندهشن بالمشهد ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [ يوسف : 31 ] .
فصفقت امرأة العزيز ، وكأنها فرِحت بذلك وقالت : ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [ يوسف : 32 ] .
واعترفت لزميلاتها ، أنها أحبته ، وأنها أرادته على نفسها ، وأنها لا تطيق بعده أو غيابه (ومن الحب ما قتل) ، وأذلت نفسها له ، لكنه يستعصم ، وقد افتضح أمرها في الناس .
النسوة الحاضرات أصابهن الهيام ، وعز عليهن ما لاقت امرأة العزيز ، فبدأن الضغط على يوسف ، بكل أساليب النساء الجذابة ، لكن يوسف عليه السلام ، أعرض واستعصم وسأل الله الحفظ والتثبيت ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ يوسف : 33 ] .
وزدن في المراوغة والإغراء ، وهددته السيدة بالسجن ، لكنه أبى وامتنع فقامت إلى زوجها العزيز ، وقالت : (إن يوسف قد فضحني في أمري ، وافترى علىَّ في شرفي ، وما أرى إلا أن يُسجن) .