وإبان تلك المدة ، اصطفاه الله للنبوة ، كما قال : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ يوسف : 22 ] .
ثم وهو ماضٍ في عمله في القصر ، وقد هدأت نفسه ، وسكنت روحه ، ابتُلي بمحنة أخرى جديدة ، وهذه الحياة حياة ابتلاء ، والله عز وجل له حكمة في ذلك ، والمحنة الآن ليست من إخوته وإنما من (سيدة القصر) ، زوج العزيز ، حيث بدأت تتعلق بهذا الشاب ، الذي أعطى مكانة جليلة في القصر ، وبدأت تراقبه ، وتلاحظه ، وقد جمله الله ، وآتاه شطر الحسن ، وبدأ حب يوسف يتنامى في قلبها ، لكن كلما همت تذكرت أنه غلامها ، وهي زوجة العزيز ، لكن تعاظم الأمر معها ، وبدأت تلمح ليوسف لكن لا يلتفت إليها ويعرض عنها .
لكن بلغ الهوى منها مبلغاً عظيماً ، وفي يوم من الأيام دعته إلى غرفتها الخاصة بها ولبست أبهى الملابس فتنة وقالت ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ [ يوسف : 23 ] ، يعني : هيأت لك ، فقال : معاذ الله أن أجيبك وحاشاي أن أخون مولاي العزيز ، كما قال : ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ [ يوسف : 23 ] ، يعني : سيدي أكرمني في بيته ، وأسدل عليَّ نعمته ، ثم أغشه في أهله ، ﴿ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [ يوسف : 23 ] .
لكنها أصرت عليه ، وأغلقت الأبواب كلها فأبى وامتنع ، فأخذتها العزة بالإثم ، كيف فتى من فتياني لا يستجيب لطلبي ، وأنا في عزتي وكمالي ودلالي ، فقامت وراءه تبطش به ، ولم يكن أمامه إلا الفرار ، فهرب عليه السلام فجذبته من قميصه ، وكان وصل الباب ، فرآه العزيز ، وقد انشق قميصه ، فكان موقفاً مشبوهاً ، وموطن تهمة وارتياب .