ولذلك حقروا ثمنه ، وزهدوا فيه ، حيث باعوه ، قيل بعشرين درهماً ولم يكونوا حُرصَاء عليه ، كما قال : ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ ﴾ [ يوسف : 20 ] أي إخوته زهدوا فيه ، وحقروا ثمنه وشأنه .
ويوسف لم يستطع الكلام ، ويكشف أمره ، بل صبر حرصاً على النجاة والسلامة .
أخذه الركب المسافرون ، وانطلقوا به إلى مصر وهناك باعوه ، مع البضائع والرقيق ، وطيف به في الأسواق .
فقدر الله سبحانه وتعالى أن اشتراه عزيز مصر ، (وزير الخزانة المصرية) ، فلما جيء به إليه ، تفرَّس فيه ، ورأى من حُسنه وأدبه ، واكتمال خلقه ما دعاه أن يقول لزوجته : أكرمي مثواه ومأواه ، وحاشاك أن تزجريه زجر الخدم ، أو تضربيه ضرب العبيد ، فإني أرجو إذا كبر سنه ، واكتمل عوده أن ينفعنا أو نتخذه ولدا .
وهذا ما عناه الله بقوله ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ [ يوسف : 21 ] .
جاء ابن مسعود (أفرس الناس ثلاثة : عزيز مصر حين قال : أكرمي مثواه ، والمرأة التي قالت لأبيها : يا أبت استئجره ، وأبو بكر حين استخلف عمر) .
وما حصل هنا بارقة تمكين يوسف ، وظهوره حيث نجاه الله من كيد إخوته ، واحتواه هذا الرجل الفاضل الحكيم ، قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [ يوسف : 21 ] .
فما أراده الله واقع ، ولا مانع لأمره ، لكن للأسف أكثر الخلق لا يدركون حكمته في خلقه .
مكث يوسف في دار العزيز مسروراً ، مرتاحاً ، وبدأ عمله في القصر بكل جد وأمانة .