من هنا كانت حقيقة صلاحية الوحي لكل زمان ومكان ، إذ كل إنسان يقرأ هذا المشروع حسب وسعه ، وهو ما يؤكد قوله صلى الله عليه وسلم ، من أن القرآن " لا يخلق على كثرة الرد " ، أي لا يعتريه البلى ، والقدم ، ففي كل مرة يكتشف الإنسان في الوحي الجديد ، لأن مفهوم الكمال هو مشروع المعنى المكتمل ، في حين أن الوسع الإنساني متعلق كما أشرت بالمفاهيم المحدودة . وفي ظني أن معنى القرآن سيكتمل مع أخر إنسان على هذه البسيطة ، فكلما ازداد الإنسان معرفة ازداد فهمًا ، وازداد قربًا من المعنى القرآني ، وهنا ننبه إلى أن ما يطلق عليه التفاسير ، هي ليست تفاسير للوحي ، بل هي تفاسير تفسر المفسرين ، أي توضح لنا مدى فهم هؤلاء من خلال قراءتهم للوحي، وإذا كان مفهوم كلمة التفسير في العربية من قول العرب " فسر اللبن " ، أي أزال الغشاوة التي تعلوه ، فإن مصطلح تفسير القرآن ، أو تفسير الوحي في نظري ، هو إزالة هذه الغشاوة التي وضعت فوق القرآن بسبب هذه التي نطلق عليها تفاسير ، فتفسير القرآن هو في إزالة ما ران عليه من غشاوات صرفت الناس على مباشرة ومس الوحي ، حتى تحولت هذه التفاسير إلى حاجز بين الناس وبين الوحي مشروع القراءة الذي هو لهم، مع تأكيدنا أن كل إنسان يأخذ من هذا الوحي بمقدار وسعه ، وأن الله لا يكلف الإنسان إلا وسعه ، وفرق بين فقهاء يعلمون الناس منهج قراءة الوحي قراءة بيانية ، وبين مصادرة لهذه القراءة ، واحتكار يحول البعض إلى سلطة إملائية ( ثيوقراطية ) ، مع توضيح العلاقة بين الإملاء ، والامتلاء ، فالإملائية ادعاء البعض أنهم يملؤون الفراغ بين الله والناس ، ضمن ثنائية بغيضة توظف لصالح الإملائية والدكتاتورية .
البيان والمنطق ومشكلات الفلسفة · الصفحة ٢٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البيان والمنطق ومشكلات الفلسفةص ٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي