إن مشروع دراسة النحو العربي باعتباره منهج تفكير سوف تنقذنا من مغبة الوقوع في شرك القواعد ، أي في شرك تحويل البيان إلى منطق ، وفرض أحكام عليها . فالبيان باعتباره فضاء تعبير ، وفضاء حرية ما يلبث أن يحاصر ، وأن يقيد داخل حدود المنطق. إن مشروع البيان هو مشروع قراءة منفتحة ، أي قراءة حرة ، ولكن لا يفهم من هذا الانفتاح على أنه انفلات . إن القراءة في مفهومها العربي ، إذا راعينا القلب المكاني للأصوات ، هي القِرى الذي للضيف ، ولهذا يطلق على القرية هذا الاسم ، لأنها قرى المدينة ، والقراءة رقي بالمفهوم . فالقارئ يضيف إلى المقروء، وهذه الإضافة هي موضوع الولادات المتكررة ، والتي تجعل القارئ شريكًا في عملية القراءة . والقراءة كذلك رقية ، إذا اعتبرنا الرقية تحمل مفهوم الشفاء ، فهي تمكن القارئ ، مثلما تمكن صاحب العبارة من تفريغ ما يطلق عليه الفرنسي ( بول ريكور) ، فائض المفهوم ، وتصريف الفائض هو تعبير عن حالة الامتلاء ، على أن هذا التصريف ليس هذرًا أو لغوًا ، ومن هذا جاء مفهوم الصرف ، وجاء قول العرب صروف الدهر ، أي أيامه الممتلئة بالأحداث . والقراءة كذلك مشروع رُقيّ ، هذا ما تقدمه لنا القراءة البيانية ، وهو ذاته مشروع الوحي باعتباره قراءة ضمن الفطرة والصبغة الإلهية ، فلا غرو أن كان الأمر بالقراءة في أول ما نزل من الوحي ، يعطي هذه الأبعاد لمشروع قراءة الوحي .
البيان والمنطق ومشكلات الفلسفة · الصفحة ٢٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البيان والمنطق ومشكلات الفلسفةص ٢٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي