-قد تشغلنا الحياة ولكنها لا تمحو الذكريات.
سحابة خدر تلفني تحملني إلى عالم ينبثق أمامي بحلاوته بأحزانه بخيباته، أعترف لنفسي بأنه رغم كل سلبياته بقي الأغلى على قلبي وأنني لم أنسه بل غيبته وأنه كان معي في لحظات ضيقي وأنني كنت أحس به قيمة أصالة تسندني كلما غدرت بي الأيام. يا الله ما الذي يحمله هذا القلب وما الذي يظهره وما الذي يخفيه، كيف نحب من جرعنا المرارة ثم مضى وكأنه بريء من كل ذنب.
هاتفه المسائي أصبح أهم جزء من يومي، أنتظره بفرح، بشوق، إنه يعيد إلي نكهة أيامي الماضية، أسترجعها بأحداثها، بدقائقها.. أعيشها أحسُّ بنبضها.
هاتفه كان نافذة إلى العالم الذي عشته معه باندفاع الصبا بطيبته وحماقته.
نتحدث دون مرارة، إننا نتحدث عن ماضينا كما نتحدث عن إنسان غالٍ علينا هو الوحيد الذي بقي لنا ممن عرفنا وأحببنا.
يقول لي:
-بعد ثلاثة أيام تنتهي زيارتي، سأزورك غداً، سأصل إليك بالقطار في الساعة الثانية عشرة ظهراً.
تفاجئني الزيارة وكأنه لم يتحدث عنها وكأني لم أكن أتوقعها..
كنت قد قنعت منه بالصوت بالذكرى، ولكنني لم أهيئ نفسي للقائه.
بفتور أقول:
-سأنتظرك.
كنت قلقة، متوترة، ليته يعدل عن الزيارة وسأقبل أي اعتذار.. لا أريد أن أراه.. لا أحب أن أراه.
في الصباح ذهبت إلى العمل، كنت ساهمة لكني أجبرت نفسي على الاستغراق في العمل، أنظر إلى الساعة مراراً، أحس أنني لا أستطيع تحمل أحاديث الزملاء ولا ثرثرتهم.
في الحادية عشرة استأذنت وانصرفت.
أوقفت سيارة أجرة.. أصعد إليها.. السيارة تقطع المدينة وأنا أتلبس البرود والحياد.
أصل إلى المحطة.. أسمع صوت القطار قادماً.. يتدفق المسافرون من المقطورات، أبحث عنه بينهم.. أراه.
أحس بأنني فقدت توازني، أحس بأنني أعيش عالماً غير عالمي.