تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من وادٍ بعيد يأتيني الصوت عميقاً، أفتح عيني يتوضح رنين الهاتف، أتجاهل الصوت لكنه يتواصل، ليت الرنين ينقطع، ليته يتوقف قبل أن أصل، في قلبي نبت الخوف وفي نفسي اشتعل الفضول ثم استيقظ الهاجس القديم.

قلقة أنهض، خائفة آملة أرفع السماعة، يأتيني الصوت نائياً أقول:

-من؟

-ألم تعرفيني؟

إنه هو النبرة المميزة رغم اللكنة التي تشوبه، إنه هو ويريد اعترافاً مني بأني ما زلت أحفظ صوته، ولكن لا لن أمنحه هذا الوسام.

-تحدث أكثر لأعرفك.

-من تتصورين أنه يتحدث معك في مثل هذا الوقت؟

-أما زلت تحفظ فرق الوقت؟

-لا. أعرف إنه الليل.

-من أين تتحدث؟

-من دمشق.

استيقظت تماماً ولكنني كنت عاجزة عن الاستيعاب.

-ماذا تفعل في دمشق؟

-جئت لأنجز بعض الأعمال ولأراكِ.

استغرقت في الضحك سألته:

-أما زلت تذكرني؟

-وهل نسيتيني أنت؟

أجبته متقصدة أن أزعجه:

-ربما يحتاج الأمر إلى تفكير.

قال:

-لا تتحدثي معي بهذه الطريقة، وصلت البارحة مساءً، قضيت هذا اليوم وأنا أهتف إلى الأرقام التي أعطيتني إياها، أرقام أهلك وأصدقائك وعملك، كلها تغيرت.

قلت:

-بعد خمس عشرة سنة تتغير الأشياء.

-وفري النقاش حتى نلتقي وسأشرح لك كل شيء.

هل بقي هناك ما لم يشرح، علمت ما حدث وأخمن ما لم أعلم، وأعرف ما سيحدث .

جاءني صوته:

-أين ذهبت؟ اسمعيني، أنا مرهق، أرجوك لا تتعبيني، يجب أن نلتقي، بعد أسبوع سأزورك.

أتلمس الطريق إلى فراشي، أتمدد، أوحي لنفسي بأن لا شيء مهم قد حدث، أغمض عيني لأنام يبتسم لي النوم ويقول:

-قد يضحك الإنسان من الآخرين فهل يضحك من نفسه؟

أنهض من سريري، أشعل الضوء، أخرج إلى الصالون.

أجلس على الكنبة، أتساءل بحنق لماذا تجيء؟ ماذا تريد؟ غلقت عليك أقفال الذاكرة فلماذا تعود؟

أقوم إلى المطبخ أغلي فنجان قهوة، أقترب من النافذة أرقب طلوع الفجر، أرى الظلمة تتراجع أمام النور وأرى الصور تنسل من الأعماق، أباعدها ولكنها تأتيني هادئة ناعمة تقول:

البستان · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البستانص ٩١