تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يراني يتقدم نحوي فأتوارى خلف أحد الأعمدة، يتوقف، أرى المسافرين ينفضون من حوله، يبقى وحيداً في بقعة فراغ، وكأنه طفل يبحث عمن ضيعه، أخرج من وراء العمود، أتقدم إليه، نتوقف على بعد خطوات وكل منا يتأمل الآخر.

ما زال يحمل هذا الوجه الطفولي ولكنه ازداد بياضاً، الشعر غزاه الشيب، القامة امتلأت، النظارات أصبحت أكثر سماكة فبأي عين تراه يراني بعد خمسة عشر عاماً؟

يسرع نحوي يصل إلي، يمد يديه يريد أن يحضنني، أبعده عني:

-أتظن نفسك في انجلترا؟

بين الخيبة والفضول يتراجع مندهشاً ثم يستعيد ابتسامته:

-لو تعرفين كم اشتقت إليك.

بحثت في نفسي عن الشوق فلم أجده.

متجاورين نسير ولكنني أحسه بعيداً، أتساءل أليس هو الإنسان الذي كان في أحد الأيام فرحي وحلمي؟ أما كان تاريخي ومستقبلي؟ أليست هواتفه هي التي أرجعت لي الماضي وأضاءت أيامي؟.

نجلس في المطعم أستمع إليه يتدفق حديثاً وانفعالاً، يحدثني عن المتاعب التي واجهها في انجلترا عن الأيام الصعبة التي عاشها حتى حصل على الجنسية ونال الدكتوراه، عن المعركة التي خاضها ليحصل على عمل.

أنظر إليه يتحدث ويضحك ويشير بيديه، لقد تغير.. تغير كثيراً.

أرقبه بوجه محايد بعيد عن أي انفعال.

يحدق إلي يتراجع حماسه، يقول:

-أعرف أنني قد خربت حياتك.

أقول في سري:

-لست وحدك من يحمل الذنب، أسباب كثيرة أدت إلى خرابها.

قال:

-أنت لا تصغين إلي، أرجوك، ابقي معي، انظري إلي.

قلت له ضاحكة:

-أستطيع أن أفكر بخيبتي أستطيع أن أتحاور معها عبر وسيط ولكنني لا أستطيع أن أراها مجسمة أمامي.

قال معاتباً:

-أجلت أعمالي، أحرقت يومي لأراك فلماذا تقسين علي؟

ضحكت، يظن أنه قدم تضحية عظيمة ولأجلها يجب ألا أكون قاسية.

قال بحزن:

-أعرف أنني أسأت إليك ولكن ها أنا أعود لنسترجع ما فات.

ضحكت ساخرة:

-يقولون لا حساب للزمن عند المتخلفين، وهنا أنت الآن آت من قلب التمدن لترفع راية التخلف.

قال جاداً:

البستان · الصفحة ٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البستانص ٩٣