الأيام تعبر بي مملة، لا شيء إلا البيت وضجيجه ومضايقات رئيسة الدائرة التي لا تنقطع.
وفجأة لاح "خلف" في سمائي، سمعت لهجته الحلوة، اللهجة العراقية المميزة.. التفت وجدت أمامي نخلة باسقة وعينين سوداوين فيهما ابتسام وفي أعماقهما شجن عميق شدَّني إليه، ابتسم فابتسمت له، حوّلت الزميلة معاملته إليّ، جاءني، تحادثنا في أمور العمل، عرفت أنه يعمل في انجلترا وهو حاصل على الجنسية الإنجليزية وقد جاء موفداً من الشركة التي يعمل فيها.
ماذا أحببت فيه؟ اللهجة؟ الغربة؟ الشجن؟ شيء عميق شدَّني إليه وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد.. قليل كلامه ولكن هو الكلام الذي ينفذ إلى أعماق القلب.
يغيب ثم يعود، لكنه يبقى في القلب، تأتيني هواتفه وفاكساته فأشعر أن الحياة حلوة كريمة.. وشديدة الغموض.
قلت لأهلي:
-أريد أن أتزوجه.
قالوا:
-مشرد لا وطن له.
قلت:
-أريد أن أكون وطنه وفرحه.
حدثني عن حياة حلوة تجمعنا، نعيش في انجلترا، نعمل معاً وفي المساء نعود إلى بيتنا، وتراءت لي بلاد الثلج والضباب..
كنت مفتونة بشيء غامض يناديني، شيء يقول لي حياتك ليست هنا، عندما تسافرين تنفتح أمامك الآفاق، تعيشين البهجة الحقيقية، تعيشين في قلب الحياة.
غاوتني فكرة السفر، امتلكت عليّ نفسي، كنت أحلم بالضباب والعشب الأخضر والبيت الدافئ.
صورة الريف الانجليزي وبيوت القرميد لاصقة في مخيلتي فهل تصبح حقيقة؟.
هي الأحلام تجمل حياتنا وإلا ما استطعنا الاستمرار.
لم يعد يأتي، تباعدت مكالماته... انقطعت... آخر رسالة لم أجد فيها نبض المحب الذي عرفته بل كان يدعوني لزيارة انجلترا كما لو أنني فتاة أوربية.
أهذا ما أنتظره؟ أن أزور انجلترا، عندما أريد أن أزورها أستطيع أن أزورها وحدي دون دعوة من شاب أعزب.
أين الرغبة في الارتباط والاستقرار؟ أهم أهلي تدخلوا من ورائي وجعلوه يبتعد؟ أم هو الذي ابتعد من تلقاء نفسه، وخاف على حياة الحرية التي يعيشها أن ينغصها الزواج؟.