الاستغفار من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن الصحابة - رضي الله عنهم - لمن مات من آبائهم وأمهاتهم كان على سبيل الاستثناء مثل ما فعل إبراهيم - عليه السلام - عندما قال: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ (1) كنوع من الكرامة والشفاعة للأنبياء والمؤمنين بهم في ذوي قرباهم مثلما قال نوح ﴿ إِنَّ ابنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ (2) وكان ثابتًا عندهم قبل ذلك أن الله لا يغفر للمشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولكن لم يكن معلومًا عندهم أن هذا الأمر ليس فيه استثناء فأوضح الله لهم أن استغفار إبراهيم لأبيه كان في حال حياته وذلك جائز ويكون معناه دعاؤك بالموت على التوحيد والإسلام، وأنه لما مات تبرأ منه فلم يستغفر له ولذلك قبل نزول هذه الآية بالنهي الصريح عن الاستغفار للمشركين والآية الأخري بالنهي عن الصلاة على المنافقين لم يمتنع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة على عبد الله بن أبيّ مع وضوح معنى المبالغة في العدد لبقاء معنى التخيير لعدم ورود النهي الصريح ولجواز الاستثناء على سبيل الشفاعة من الرسول والكرامة لقومه لكونهم أنصار الله. وإبراهيم - عليه السلام - طمع في هذا الاستثناء في الآخرة عندما أخذته الرحمة بأبيه رغم تبرئه منه في الدنيا وعلمه أنه من أصحاب الجحيم.
بعد ورود النهي الصريح من الاستغفار للمشركين والصلاة على المنافقين وذلك بعد موت عبد الله بن أبيّ أمسك الرسول والصحابة عن ذلك تمامًا، وقطع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أباه وأمه في النار مع غيرهما ممن مات في الجاهلية قبل البعثة لا فرق في ذلك بين من مات على الشرك قبل البعثة مثل أبيه وأمه - صلى الله عليه وسلم - أو بعد البعثة مثل عمه أبي طالب.
(1) مريم، آية: 47.
(2) هود، آية: 45.