الاحتمال الأول: أن يكون المشركون قبل البعثة معذورين بجهلهم في التوحيد جهلاً يدخلهم الجنة بإسلام الفطرة كما يقول المبتدعة في عصرنا هذا أو يجعلهم يمتحنون في العرصات كما قد يظن بعض العلماء خطأ في الاستدلال وأن يشملهم العذر جميعًا، فمن هنا تتوافر همم الصحابة من أبنائهم على الاستغفار لهم مع حرصهم على هذا واهتمامهم به لأنهم آباؤهم وقد كان منهم من يحمل الكل ويعين على نوائب الحق ويصل الرحم ويحسن الجوار ويفك العاني ويوفي بالذمم ولما كان هناك مجال لنهيهم عن الاستغفار.
الاحتمال الثاني: أن يشمل العذر الجميع ما عدا بعض المعينين فينصب النهي عن الاستغفار لهؤلاء المعينين وتبقي الإجازة عامة في غيرهم.
الاحتمال الثالث: أن يكون الغالب هو العذر والنادر غير المعين غير معذور لوضع يخصه هو وفي هذه الحالة أيضًا لا يكون هناك مجال للنهي عن الاستغفار لأننا نصلي على المسلمين لأن الظاهر الغالب في شأنهم التوحيد مع أن منهم من يموت على الشرك الأعظم دون أن نعلم فلا يكون هذا سببًا في النهي عن الصلاة على الجميع. فلما وجدنا النهي عامًا شاملاً وأن الصحابة جميعهم أمسكوا عن الاستغفار لآبائهم وأمهاتهم ممن مات في الجاهلية بعد النهي فلم ينقل عن واحد منهم خلاف هذا الإمساك مع حرصهم على الاستغفار لو كان جائزًا علمنا علمًا يقينيًا أنهم أيقنوا أن كل من مات على الشرك من آبائهم وأمهاتهم وعامة الناس في الجاهلية أنهم أصحاب الجحيم وأنه لا مجال للامتحان في العرصات مطلقًا لهؤلاء لأن الممتحن في العرصات كالأحياء من المشركين يجوز الاستغفار لهم لبقاء الاحتمال للتوبة والموت على التوحيد في حق الأحياء وبقاء الاحتمال بتوفيق الله في امتحان العرصات فيدخل صاحبه الجنة إذا أطاع الله في هذا الموقف ويكون معنى الاستغفار الدعاء بالموت على التوحيد أو الدعاء بالتوفيق إلى الطاعة في موقف العرصات.