وإذا كنَّا قد قسمنا الكفر إلى ثلاثة أصناف: عناد، ضلال، إعراض. والضلال ينقسم إلى شك أو تكذيب وعلمنا أن الإعراض والشك والتكذيب جهل فإن الكفر عندئذ ينقسم إلى قسمين: كفر جهل بأنواعه الثلاثة، وكفر عناد، وهذا التقسيم هو الذي يغلب ذكره عند شيخ الإسلام ابن تيمية في ”منهاج السنة“ في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ (1) وغير ذلك من الآيات في غير ذلك من المناسبات وهو ما ذكره أيضًا في الصارم المسلول وقد مرَّ ذكره حيث يقول: «فالكفر أعمُّ من التكذيب يكون تكذيبًا وجهلاً، ويكون استكبارًا وظلمًا، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل». أهـ.
وكذلك يقول ابن القيم في ”مفتاح دار السعادة“(2): «قالوا: وقد بيَّن القرآن أن الكفر أقسام: أحدها كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الأسلاف وهو كفر أكثر الأتباع والعوام. الثاني: كفر جحود وعناد وقصد مخالفة للحق ككفر من تقدم ذكره وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قوم من الكفار أو رياسة سلطانية أو من له مأكل وأموال في قوم فيخاف هذا على رياسته وهذا على ماله ومأكله فيؤثر الكفر على الإيمان عمدًا. الثالث: كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يحبه ولا يبغضه ولا يواليه ولا يعاديه بل هو معرض عن متابعته ومعاداته، وهذان القسمان أكثر المتكلمين ينكرونهما ولا يثبتون الكفر إلا للأول ويجعلون الثاني والثالث كفر الدلالة على الأول لا لأنه كفر في ذاته فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة وسير الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما جري لهم منهم يخطئ أهل الكلام فيما قالوه». أهـ.
(1) النجم، آية: 2.
(2) مفتاح دار السعادة، ص 94.