وبالنسبة لحالات الضلال والعناد يقول الإمام الشاطبي بعد أن يسوق أمثلة للضلال ويفرق بين الضلال والخطأ(1): «ولما لم يكن الكفر في الواقع مقتصرًا على هذا الطريق ـ يقصد طريق الضلال ـ بل ثمَّ طريق آخر وهو الكفر بعد العرفان عنادًا أو ظلمًا ذكر الله - سبحانه وتعالى - الصنفين في السورة الجامعة وهي أمّ القرآن فقال - عز وجل -: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ (2) فهذه هي الحجة العظمي التي دعا الأنبياء عليهم السلام إليها ثم قال - عز وجل -: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ (3). فالمغضوب عليهم هم اليهود لأنهم كفروا بعد معرفتهم نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. ألا ترى إلى قول الله - عز وجل - فيهم ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ (4) يعني اليهود، والضالون هم النصارى لأنهم ضلُّوا في الحجة في عيسي - عليه السلام - وعلي هذا التفسير أكثر المفسرين وهو مروي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين أشركوا مع الله إلهًا غيره لأنه قد جاء في أثناء القرآن ما يدل على ذلك ولأن لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ يعمهم وغيرهم فكل من ضلَّ عن سواء السبيل داخل فيه ولا يبعد أن يقال أن ﴿ الضَّالِّينَ ﴾ يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم كان من هذه الأمة أو لا إذ قد تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله. فقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ (5) عام في كل ضال كان ضلاله كضلال الشرك أو النفاق أو كضلال الفرق المعدودة في الملة الإسلامية وهذا أبلغ وأعلي في قصد حصر أهل الضلال وهو اللائق بكلية
(1) الاعتصام، ج1، ص 139.
(2) الفاتحة، الآيتان: 6-7.
(3) الفاتحة، آية: 7.
(4) البقرة، آية: 146.
(5) الأنعام، آية: 153.