ويقول شيخ الإسلام(1): «وإن القتلي من أهل صفين لم يكونوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة الخوارج المارقين الذين أمر بقتالهم وهؤلاء مدح الصلح بينهم ولم يأمر بقتالهم ولهذا كانت الأئمة والصحابة متفقين على قتال الخوارج المارقين وظهر من علىٍّ - رضي الله عنه - السرور بقتالهم ومن روايته عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الأمر بقتالهم وأما قتال الصحابة فلم يرو عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيه أثر ولم يظهر فيه سرور، بل ظهر منه الكآبة وتمني أن لا يقع وشكر بعض الصحابة. وبرأ الفريقين من الكفر والنفاق وأجاز الترحم على قتلي الطائفتين. إلى أن يقول: ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا ولم يقاتله على أنه خليفة ولا أنه يستحق الخلافة ويقرون له بذلك وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدروا عليًا وأصحابه بالقتال ولا يعلوا بل لما رأي عليٌّ - رضي الله عنه - وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب وهم أهل شوكة رأي أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب فتحصل الطاعة والجماعة وهم قالوا أن ذلك لا يجب عليهم وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين قالوا لأن عثمان قتل مظلومًا باتفاق المسلمين وقتلته في عسكر علىٍّ وهم غالبون لهم شوكة فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا وعلىٌّ لا يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف. إلى أن يقول: وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفئًا لعلي بالخلافة ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علىّ - رضي الله عنه - فإن فضل عليّ وسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله كانت عندهم ظاهرة معروفة كفضل إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم - رضي
(1) الفتاوى الكبرى، ج4، ص 263.