تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقاتل عليًا وأصحابه لأجل ذلك ولو قتل معاوية قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفين وإن كان معاوية معذورًا في كونه لم يقتل قتلة عثمان لعجزه عن ذلك أو لما يفضي إليه ذلك من الفتنة وتفرق الكلمة وضعف سلطانه فعلىٌّ أولى أن يكون معذورًا أكثر من معاوية إذ كانت الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه بقتل القتلة لو سعي في ذلك أشد ومن قال أن قتل الخلق الكثير الذين قتلوا بينه وبين علىّ كان صوابًا منه لأجل قتل قتلة عثمان فقتل ما هو دون ذلك لأجل قتل قتلة عثمان أولى أن يكون صوابًا وهو لم يفعل ذلك لما تولي ولم يقتل قتلة عثمان وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشرِّ إذا أدبرت فأما إذا أقبلت فإنها تزين ويظن أن فيها خيرًا فإذا ذاق الناس ما فيها من الشرِّ والمرارة والبلاء صار ذلك مبينًا لهم مضرتها وواعظًا لهم أن يعودوا في مثلها والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت وصارت عبرة لهم ولغيرهم ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه. ولهذا كانت من باب المنهي عنه والإمساك عنها من المأمور به الذي قال الله فيه: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (1). وأما قول القائل أن عليًا بدأهم بالقتال فقد قيل له وهم أولا امتنعوا من طاعته ومبايعته وجعلوه ظالمًا مشاركًا في دم عثمان وقبلوا عليه شهادة الزور ونسبوه إلى ما هو برئ منه وإذا قيل هذا وحده لا يبيح له قتالهم قيل ولا كان قتاله مباحًا لكونه عاجزًا عن قتل قتلة عثمان بل لو كان قادرًا على قتل قتلة عثمان وقدر أنه ترك هذا الواجب إما متأولاً وإما مذنبًا لم يكن ذلك موجبًا لتفريق الجماعة والامتناع عن مبايعته ولمقاتلته

(1) النور، آية: 63.

البلاغ المبين · الصفحة ٨٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٨٠٤