يقول شيخ الإسلام ابن تيمية(1): «ثم خلافة أبي بكر وعمر هي من كمال نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته ومما يظهر أنه رسول حق ليس ملكًا من الملوك فإن عادة الملوك إيثار أقاربهم والموالاة بالولايات أكثر من غيرهم وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم وكذلك ملوك الطوائف كبني بويه، وبني سلجق وسائر الملوك بالمشرق والمغرب والشام واليمن وغير ذلك، وهكذا ملوك الكفار من أهل الكتاب والمشركين كما يوجد في ملوك الفرنج وغيرهم وكما يوجد في آل جنكيز خان فإن الملوك تبقي في أقارب الملك ويقولون هذا من العظم وهذا ليس من العظم أي من أقارب الملك وإذا كان كذلك فتولية أبي بكر وعمر بعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دون عمِّه العبَّاس وبني عمه علىّ وعقيل وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وغيرهم ودون سائر بني عبد مناف الذين كانوا أجل قريش قدرًا وأقرب نسبًا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أعظم الأدلة على أن محمدًا عبد الله ورسوله وأنه ليس ملكًا حيث لم يقدم في خلافته أحدًا لا بقرب نسب منه ولا بشرف بيته بل إنما قدم بالإيمان والتقوى. ودل ذلك على أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأمته من بعده إنما يعبدون الله ويطيعون أمره لا يريدون ما يريد غيرهم من العلو في الأرض ولا يريدون أيضًا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك فإن الله خيَّر محمدًا بين أن يكون عبدًا رسولاً وبين أن يكون ملكًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا رسولاً وتولية أبي بكر وعمر بعده من تمام ذلك فإنه لو أقام أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته ولا خلف لهم مالاً كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال وإن كان ذلك مباحًا وإنه لم يكن من الملوك الأنبياء بل كان عبد الله ورسوله كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث
(1) منهاج السنة النبوية، ج4، ص 125-126.