ويقول في الموضع الثاني من نفس القصة(1): «الطريقة الثانية عشرة: ما تقدم من حديث أنس بن زنيم الديلي الذي ذكر عنه أنه هجا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثم جاءه وأنشده قصيدة تتضمن إسلامه وبراءه مما قيل عنه وكان معاهدًا فتوقف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيه وجعل يسأل العفو عنه حتى عفا عنه فلو لم تكن العقوبة بعد الإسلام على السبِّ من المعاهد جائزة لما توقف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حقن دمه ولا احتاج إلى العفو عنه» ثم يذكر شيخ الإسلام الفرق بين المعاهد والحربي فيقول: «أن الرسول لا يقتل الحربي الهاجي إذا جاء مسلمًا مع إمكان أن يقتل الذمي السابّ والمرتد السابّ وإن جاءا مسلمين وإن كان قد أسلما». أهـ.
ويقول عن النسوة اللاتي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهن من أجل هجائهن من أهل مكة بعد الفتح يقول شيخ الإسلام في ذلك(2): «وكذلك النسوة اللائي أمر بقتلهن إنما وجهه والله أعلم أنهن كنَّ قد سببنه بعد المعاهدة فانتقض عهدهن فقتلت اثنتان والثالثة لم يعصم دمها حتى استؤمن لها بعد أيام ولو كان دمها معصومًا بالإسلام لم يحتج إلى الأمان وهذه الطريقة مبناها على أن من جاز قتله بعد أن أظهر أنه جاء ليسلم جاز قتله بعد أن أسلم فإن من لم يعصم دمه إلا عفو وأمان لم يكن الإسلام هو العاصم لدمه وإن كان قد تقدم ذكر هذا ولكن ذكرناه لخصوص هذا المأخذ. ويقول في موضع آخر: «لو علمن أن إظهار الإسلام يعصم دماءهن لبادرن إلى إظهاره».
ويأخذ شيخ الإسلام من قصة كعب بن الأشرف أن تغليظ نقضه بما يضر المسلمين ويدخل عليهم غضاضة في دينهم لا ينعقد له أمان ويكون قتله حدًا من الحدود كقتل قاطع الطريق وإن من تغلظ نقضه بذلك يتعين قتله ولا يخير فيه الإمام بمنزلة الأسير الحربي في مواضع كثيرة من الكتاب.
(1) الصارم المسلول، ص 364 بتصرف.
(2) المصدر السابق، ص 396.