أيضًا بما أسلفه من سبٍّ وغيره فهذا وجه العفو عن هؤلاء». أهـ.
وقد مرَّ ما قاله عن أنس بن زنيم الديلي عندما جمعه مع المرأة التي ألقت بالرحي من قريظة بتغليظ نقضه بما يضر المسلمين وجمعهما مع من تغلظت ردته بحراب مثل ابن أبي السرح وابن خطل ومقيس بن حبابة وأخذ من ذلك قاعدة وهي أن النقض إذا تغلظ بما يضر المسلمين أوخذ صاحبه على ذلك بعد إسلامه ولم يسقط عنه إسلامه ما ارتكبه من جرم وذلك إنما يكون من المعاهد فلم يجعل أهل مكة وحلفاءهم بمنزلة الحربيين هنا كما ذكر آنفًا بل جعلهم بمنزلة أهل الذمة ممن لم تجر عليهم الأحكام ولم يؤدوا الجزية من الموادعين أهل الذمة كيهود المدينة وذكر ذلك في موضعين غير هذا من الكتاب(1): الموضع الأول حيث حكي القصة واستنبط منها العبرة يقول في ذلك عن أنس: «ثم أنه بعد إسلامه واعتذاره وتكذيب المخبرين ومدحه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما طلب العفو من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن إهدار دمه والعفو إنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب فعلم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان له أن يعاقبه بعد مجيئه مسلمًا معتذرًا وإنما عفا عنه حلمًا وكرمًا» ثم يقول عن الهجاء وتغليظه للنقض: «ومما يوضح هذا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يهدر دم أحد من بني بكر الناقضين للعهد بعينه وإنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر هذا مع أن العهد كان عهد هدنة وموادعة ولم يكن عهد جزية وذمة والمهادن المقيم ببلده يظهر ببلده ما يشاء من منكرات الأقوال والأفعال المتعلقة بدينه ودنياه ولا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب فعلم أن الهجاء من جنس الحرب وأغلظ منه وأن الهاجي لا ذمة له».
(1) الصارم المسلول، ص 93.