نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِه } (1) فلو كان الناكث كلما طلب العهد منا وجب أن نجيبه لم يكن للنكث عقوبة يخافها ولكن يجوز أن نعيدهم إلى الذمة لأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهب الزبير بن باطا القرظي لثابت بن قيس بن شماس هو وأهله وماله على أن يسكن أرض الحجاز وكان من أسري بني قريظة الناكثين فعلم جواز إقرارهم في الدار بعد النكث وإجلاء بني قينقاع بعد القدرة عليهم إلى أذرعات فعلم جواز المن عليهم بعد النكث وإذا جاز المن على الأسير الناكث وإقراره في دار الإسلام فالمفاداة به أولي وسيرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في هؤلاء الناقضين تدل على جواز القتل والمنّ على أن يقيموا بدار الإسلام أو أن يذهبوا إلى دار الحرب إذا كانت المصلحة في ذلك وفي ذلك حجة على من أوجب إعادتهم إلى الذمة وعلي من أوجب استرقاقهم.
القسم الثاني: إذا لم يكن ممتنعًا عن حكم الإمام فمذهب أبي حنيفة أن مثل هذا لا يكون ناقضًا للعهد ولا ينقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكون أهل شوكة ومنعه ويمتنعوا بذلك عن الإمام ولا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم أو تخلفوا بدار الحرب لأنهم إذا لم يكونوا ممتنعين أمكن الإمام أن يقيم عليهم الحدود ويستوفي منهم الحقوق فلا يخرجون بذلك عن العصمة الثابتة كمن خرج عن طاعة الإمام من أهل البغي ولم تكن له شوكة.
وقال الإمام مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ناقضين للعهد ومنعًا للجزية وامتنعوا منا من غير أن يظلموا أو يلحقوا بدار الحرب فقد انتقض عهدهم لكن يقتل عنده الساب والمستكره للمسلمة على الزني وغيرهما.
(1) الفتح، آية: 10.