فإن بذل هؤلاء العود إلى الذمة فهل يجب قبول ذلك منهم كما يجب قبوله من الحربي الأصلي ـ قبل الأسر ـ والظاهر أنه لا يجب لأن بني قينقاع لما نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أراد قتلهم حتى ألحَّ عليه عبد الله بن أبي في الشفاعة فيهم فأجلاهم إلى أذرعات ولم يقرهم بالمدينة مع أن القوم كان حراصًا على المقام بالمدينة بعهد يجددونه وكذلك بنوقريظة لما حاربت أرادوا الصلح والعود إلى الذمة فلما لم يجبهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكذلك بنو النضير لما نقضوا العهد فحاصرهم أنزلهم على الجلاء من المدينة مع أنهم كانوا أحرص شيء على المقام بدارهم بأن يعودوا إلى الذمة وهؤلاء الطوائف كانوا أهل ذمة عاهدوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على أن الدار دار إسلام يجري فيها حكم الله تعالي ورسوله وأنه مهما كان بين أهل العهد من المسلمين وبين هؤلاء المتعاهدين من حدث فأمره إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هكذا في كتاب الصلح فإذا كانوا نقضوا العهد فبعضًا قتل وبعضًا أجلي ولم يقبل منهم ذمة ثانية مع حرصهم على بذلها علم أن ذلك لا يجب والفرق بين هؤلاء وبين المرتدين أن المرتد إذا عاد إلى الإسلام فقد أتي بالغاية التي يقاتل الناس حتى يصلوا إليها فلا يطلب منهم غير ذلك وإن ظننا أن باطنه خلاف ظاهره فإنَّا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس وأما هؤلاء فإن الكفَّ عنهم إنما كان لأجل العهد ومن خفنا منه الخيانة جاز لنا أن ننبذ إليه العهد وإن لم يجز نبذ العهد إلى من خفنا منه الردة فإذا نقضوا العهد فقد يكون ذلك أمارة على عدم الوفاء وأن إجابتهم إلى العهد إنما فعلوه خوفًا وتقية وفي هذا دليل على أنه لا يجب رد الأسير الناقض للعهد إلى الذمة بطريق الأولي فإن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يردهم وقد طلبوها ممتنعين فألا يردهم إذا طالبوها موثقين أولي ولأن الله تعالي قال: { فَمَن
البلاغ المبين · الصفحة ٧٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ٧٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي