يقول شيخ الإسلام ابن تيمية(1): «وكذلك روى عن محمد بن يزيد الواسطي عن جرير عن الضحاك قوله تعالي: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ﴾ كان ناس من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد وميثاق فنقضوا الميثاق وأفسدوا في الأرض فخيَّر الله رسوله أن يقتل إن شاء أو يصلب إن شاء أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأما النفي فهو أن يهرب في الأرض ولا يقدر عليه فإن جاء تائبًا داخلاً في الإسلام قُبِلَ منه ولم يؤاخذ بما عمل وقال الضحاك أيما رجل مسلم قتل أو أصاب حدًا أو مالاً لمسلم فلحق بالمشركين فلا توبة له حتى يرجع فيضع يده في يد المسلمين فيقر بما أصاب قبل أن يهرب من دم أو غيره أقيم عليه أو أخذ منه ففي هذين الأثرين أنها نزلت في قوم معاهدين من أهل الكتاب لما نقضوا العهد وأفسدوا في الأرض وكذلك في تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وإن كان لا يعتمد عليه إذا انفرد أنها نزلت في قوم موادعين وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وادع هلال بن عويمر على ألا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين فهو آمن أن يهاج ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن أن يهاج ومن مرَّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو آمن أن يهاج فمرَّ قومٌ من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر ولم يكن هلال يومئذ شاهدًا فنهدوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل عليه جبريل بالقصة فيهم. فقد ذكر أنها نزلت في قومٍ معاهدين لكن من غير أهل الكتاب وروي عكرمة عن ابن عباس ـ وهو قول الحسن ـ أنها نزلت في المشركين ولعله أراد الذين نقضوا العهد كما قال هؤلاء فإن الكافر الأصلي لا ينطبق عليه حكم الآية. والذي يحقق أن ناقض العهد بما يضر المسلمين داخل في هذه الآية
(1) الصارم المسلول، ص 330.