هذا ينطبق عليه قول الله - عز وجل - : ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ﴾ (1) الآية. وهؤلاء إذا كانوا طائفة ممتنعة قوتلوا ردئهم ومباشرهم ويضمنون ما أتلفوا في ثائرة الحرب وفي غير ثائرة الحرب وأما إذا تاب الواحد منهم قبل القدرة عليه فهذا فيه عدة أقوال: أحدها: أن التوبة إنما تسقط عنه حد الحرابة فقط ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين وهو قول مالك والقول الثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا والشراب والقطع في السرقة ويُتْبَع بحقوق الناس من الأموال والدماء إلا أن يعفو أولياء المقتول. والثالث: أن التوبة ترفع حقوق الله ويؤخذ بالدماء وفي الأموال بما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع ذممهم والقول الرابع: أن التوبة تسقط جميع حقوق الله وحقوق الآدميين من مال ودم إلا ما كان من الأموال قائم العين بيده وقوله تعالي: ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ (2). ففيه لأهل التفسير ستة أقاويل(3). ”أحدها“: أنه وارد في المشركين وأهل الكفر إذا تابوا من شركهم بالإسلام وأما المسلمون فلا تسقط التوبة عنهم حدًا ولا حقًا وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة - رضي الله عنهم -. ”الثاني“: أنه وارد في المسلمين إذا تابوا بأمان قبل القدرة عليهم وأما التائب بغير أمان فلا تؤثر توبته في سقوط حد ولا حق وهذا قول علىّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه والشعبي. ”الثالث“: أنه وارد فيمن تاب من المسلمين بعد لحوقه بدار الحرب ثم عاد قبل القدرة عليه وهو قول عروة بن الزبير- رضي الله عنه -. ”الرابع“: أنه وارد فيمن كان في دار الإسلام في منعة وتاب قبل القدرة عليه سقطت عقوبته وإن لم يكن في منعة لم تسقط وهذا قول ابن عمر وربيعة والحكم بن عيينة
(1) المائدة، آية: 33.
(2) المائدة، آية: 34.
(3) الأحكام السلطانية للماوردي.