تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك (1):«أهل السنة يقولون أن أهل الجنة ليس من شرطهم سلامتهم عن الخطأ بل ولا عن الذنب بل يجوز أن يذنب الرجل منهم ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا ويتوب منه وهذا متفق عليه بين المسلمين ولو لم يتب منه فالصغائر تمحي باجتناب الكبائر عند جماهيرهم بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر تمحى بالحسنات التي هى أعظم منها وبالمصائب المكفرة وغير ذلك وإذا كان هذا أصلهم فيقولون ما ذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب وكثير منه كانوا مجتهدين فيه ولكن لا يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم وما قدِّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم إما بتوبة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بغير ذلك فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه أنهم من أهل الجنة فامتنع أن يفعلوا ما يوجب النار ولا محالة وإذا لم يمت أحدهم على ما يوجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم الجنة ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة ولو لم يعلم أن أولئك المعينين في الجنة لم يجز لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يعلم أنهم يدخلون الجنة وليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك فكيف يجوز ذلك في خيار المؤمنين والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد منهم باطنًا وظاهرًا وحسناته وسيئاته واجتهاداته أمر يتعذر علينا معرفته فكان كلامنا في ذلك كلامًا فيما لا نعلمه والكلام بلا علم حرام فلهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيرًا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال إذ كان كثير من الخوض في ذلك أو أكثره كلامًا بلا علم وهذا حرام ولو لم يكن فيه هوي ومعارضة الحق المعلوم فكيف إذا كان كلامًا لهوى يطلب فيه دفع الحق المعلوم وقد قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم

(1) منهاج السنة، ج2، ص 183-184.

البلاغ المبين · الصفحة ٦٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٦٦٢