تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي ”الموافقات“ عن جمع المصحف(1): «بيان ذلك أن جمع المصحف مثلاً لم يكن في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاستغناء عنه بالحفظ في الصدور ولأنه لم يقع في القرآن اختلاف يخاف بسببه الاختلاف في الدين وإنما وقعت فيه نازلتان أو ثلاثة كحديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم رضى الله عنهما وقصة أبي ابن كعب مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وفيه قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر». فحاصل الأمر أن جمع المصحف كان مسكوتًا عنه في زمانه - صلى الله عليه وسلم - ثم لما وقع الاختلاف في القرآن وكثر حتى صار أحدهم يقول للآخر أنا كافر بما تقرأ صار جمع المصحف واجبًا ورأيًا سديدًا في واقعة لم يتقدم بها عهد فلم يكن فيها مخالفة وإلا لزم أن يكون النظر في كل واقعة لم تحدث في الزمان المتقدم بدعة وهو باطل باتفاق لكن مثل هذا النظر من باب الاجتهاد الملائم لقواعد الشريعة وإن لم يشهد له أصل معين وهو الذي يسمى بالمصالح المرسلة». أهـ.

أقول: وعندما رىي حذيفة هذا الاختلاف قال له سلمان رضى الله عنهما: ”أدرك هذه الأمة لا تختلف في الكتاب كما اختلفت فيه الأمم قبلهم“ ولما جمع عثمان - رضي الله عنه - المصحف على حرف زيد بن ثابت وأرسل بنسخه إلى الأمصار صارت حروف القرآن من المعلوم من الدين بالاضطرار واتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن ونقل الصلوات الخمس والقبلة وصيام شهر رمضان بالتواتر فمن أنكر منه حرفًا أو بدَّل أو غيَّر فالأمة متفقة على تكفيره لا يتنازع في ذلك أحد ولا يعذر أحد في ذلك لا بتأويل ولا من غير تأويل وهذا أمر يعرفه الصبية في الكتاتيب والرعاة في مسارحهم والنساء في خدورهن، فانظر كيف تغير الحكم قبل أن يتقرر الأمر وبعد أن تقرر واستقر.

(1) الموافقات، ج2، ص 341.

البلاغ المبين · الصفحة ٦٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٦٥٥