فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق، لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل منه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، فهو أقرب من مخالفة الهوى، ومن ذلك الطريق ـ والله أعلم ـ وفق إلى الرجوع إلى الحق.
وكذلك يزيد الفقير فيما ذكر عنه، لا كما عارض الخوارج عبد الله ابن عباس - رضي الله عنه -، إذ طالبهم بالحجة فقال بعضهم، لا تخاصموه فإنه ممن قال الله فيه ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ (1) فرجحوا المتشابه على المحكم وناصبوا بالخلاف السواد الأعظم.
وأما إن لم يصح بمسبار العلم أنه من المجتهدين فهو الحري باستنباط ما خالف الشرع كما تقدم، إذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع الهوي الباعث عليه في الأصل وهو التبعية، إذ قد تحصل له مرتبة الإمامة والاقتداء، وللنفس فيها من اللذة ما لا مزيد عليه، ولذلك يعسر خروج حبّ الرئاسة من القلب إذا انفرد، حتى قال الصوفية: حب الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين فكيف إذا انضاف إليه الهوى من الأصل وانضاف إلى هذين الآخرين دليل ـ في ظنه ـ شرعي على صحة ما ذهب إليه فيتمكن الهوى من قلبه تمكنًا لا يمكن في العادة الانفكاك منه، وجرى منه مجرى الكلب في صاحبه، كما جاء في حديث الفرق، فهذا النوع ظاهر أنه آثم في ابتداعه إثمُ مَنْ سنَّ سنة سيئة». انتهى كلام الشاطبي.
(1) الزخرف، آية: 58.