تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة. بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن ثم تحيل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد ولهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل فاعلم أن أخذ الأدلة، على الأحكام يقع في الوجود على وجهين، أحدهما: أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ليعرض عليه النازلة المفروضة لتقع في الوجود على وفاق ما أعطي الدليل من الحكم إما قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه وإما بعد وقوعها فليتلافي الأمر ويستدرك الخطأ الواقع فيها بحيث يغلب على الظنِّ أو يقطع بأن ذلك قصد الشارع وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصالح للأحكام من الأدلة والثاني أن يؤخذ مأخذ الاستظهار على صحة غرضه في النازلة العارضة أن يظهر بادئ الرأي موافقة ذلك الغرض للدليل من غير تحرٍ لقصد الشارع بل المقصود منه تنزيل الدليل على وفق غرضه وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين للأحكام من الأدلة ويظهر هذا المعنى من الآية الكريمة: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ (1) فليس مقصودهم الاقتباس منها وإنما مرادهم الفتنة بها بهواهم إذ هو السابق المعتبر وأخذ الأدلة فيه بالتبع لتكون لهم حجة في زيغهم والراسخون في العلم ليس لهم هوى يقدمونه على أحكام الأدلة فلذلك يقولون: ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ (2)، ويقولون ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ (3) فيتبرءون إلى الله مما ارتكبه أولئك الزائغون فلذلك صار أهل الوجه الأول محكمين للدليل على أهوائهم وهو أصل الشريعة لأنها إنما جاءت لتخرج المكلف عن هواه حتي

(1) آل عمران، آية: 7.

(2) آل عمران، آية: 7.

(3) آل عمران، آية: 8.

البلاغ المبين · الصفحة ٦٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٦٢١