أحدهما: أن يكون من أهل الاجتهاد فلا يخلو أن يبلغ في اجتهاده غاية الوسع أو لا. فإن كان كذلك فلا حرج عليه وهو مأجور على كل حال وإن لم يعط الاجتهاد حقه وقصَّر فيه فهو آثمٌ حسبما بيَّن أهل الأصول. والثاني أن لا يكون من أهل الاجتهاد وإنما أدخل نفسه فيه غلطًا أو مغالطة إذ لم يشهد له بالاستحقاق أهل الرتبة ولا رأوه أهلاً للدخول معهم فهذا مذموم وقلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا من أهل هذا القسم لأن المجتهدين وإن اختلفوا في الأمر العام في المسائل التي اختلفوا فيها لا يختلفون إلا فيما اختلف فيه الأولون أو في مسألة موارد للظنون لا ذكر لهم فيها فالأول يلزم منه اختلاف الأولين في العمل والثاني يلزم منه الجريان على ما ورد فيه عمل. أما القسم الثاني فإنَّ أهله لا يعرفون ما في موافقة العمل من أوجه الرجحان فإنْ موافقته شاهدٌ للدليل الذي استدل به ومصدق له على نحو ما يصدقه الإجماع فإنه نوع من الإجماع فعلى بخلاف ما إذا خالفه فإنَّ المخالفة موهنة له أو مكذبة وأيضًا فإنَّ العمل مخلص للأدلة في شوائب المحامل المقدرة الموهنة لأن المجتهد متي نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة لا يستقيم إعمال الدليل دونها والنظر في أعمال المتقدمين قاطع لاحتمالاتها حتمًا ومعين لناسخها من منسوخها ومبين لمجملها إلى غير ذلك فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم ولذلك اعتمده مالك بن أنس ومن قال بقوله وقد تقدم منه أمثلة وأيضًا فإنَّ ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فهي مؤدية إلى التعارض والاختلاف وهو مشاهد معني ولأن تعارض الظواهر كثير مع القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام ـ لا الفروعية ولا الأصولية ـ يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة وقد مرَّ من ذلك أمثلة بل قد شاهدنا ورأينا من الفسَّاق مَنْ يستدل على مسائل الفسق
البلاغ المبين · الصفحة ٦٢٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ٦٢٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي