والثاني: أن لا توجد(1) مظنة العمل به ثم توجد فيشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهى المصالح المرسلة وهى من أصول الشريعة المبني عليها إذ هى راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول فلا يصح إدخال ذلك تحت جنس البدع وأيضًا فالمصالح المرسلة عند القائل بها لا تدخل في التعبدات البتة وإنما هى راجعة إلى حفظ أصل الملة وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية ولذلك تجد مالكًا وهو المسترسل في القول بالمصالح المرسلة مشدِّدًا في العبادات أن لا تقع إلا على ما كانت عليه في الأولين فلذلك نهى عن أشياء وكره أشياء وإنْ كان إطلاق الأدلة لا ينفيها بناء منه على أنها تقيدت مطلقاتها بالعمل فلا مزيد عليه وقد تمهد أيضًا في الأصول أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره، فالحاصل أن الأمر أو الإذن إذا وقع على أمر له دليل مطلق فرأيت الأولين قد عنوا به على وجه استمر عليه عملهم فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه وذلك كله مبين في باب الأوامر والنواهي من هذا الكتاب لكن على وجه آخر فإذًا ليس ما انتحل هذا المخالف العمل به من قبيل المسكوت عنه ولا من قبيل ما أصله المصالح المرسلة فلم يبق إذًا أن يكون إلا من قبيل المعارض لما مضى عليه عمل الأقدمين وكفى بذلك مذلة قدم وبالله التوفيق ـ ثم يقول اعلم أن المخالف لعمل الأولين فيما تقدم ليست على رتبة واحدة بل فيها ما هو خفيف ومنها ما هو شديد ـ والمخالف على ضربين:
(1) كذلك في الجانب التفسيري في الكتاب والسنَّة غير الجانب التشريعي كالتفسير العلمي والبياني للقرآن وتفسير بواعث النشاط الإنساني وحركة التاريخ والاجتماع والعمران ونظرية الأخلاق ونظريات الاقتصاد وسنن الصراع ونظرة المسلم للكون واستدلالات القرآن بطرق البرهان العقلي اتساعًا للعطاء القرآني دون أن يخالف ذلك الأصول المقررة عن السلف لمذهب أهل السنة.