تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول شيخ الإسلام بن تيمية في هذا المعنى في ”موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول“(1): «وكانت المعتزلة تقول أنَّ الله منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود ومقصودهم نفي الصفات ونفي الأفعال ونفي مباينته للخلق وعلوه على العرش، وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبارات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب فإنهم إذا قالوا إنَّ الله منزَّه عن الأعراض لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزهٌ عن الاستحالة والفساد كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام. ولا ريب أن الله منزهٌ عن ذلك ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضًا، وكذلك إذا قالوا إنَّ الله منزهٌ عن الحدود والأحياز والجهات أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات ولاتحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح، ومقصودهم أنه ليس مباينًا للخلق ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق السموات ربٌ ولا على العرش إلهٌ، وأن محمدًا لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيءٌ، ولا يتقرب إلى شيء، ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره ونحو ذلك من معاني الجهمية، وإذا قالوا أنه ليس بجسم أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات ولا مثل أبدان الخلق وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى ولا يتكلم بنفسه ولا يقوم به صفة ولا هو مباين للخلق وأمثال ذلك، وإذا قالوا لا تحله الحوادث أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم وهذا معنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجئ وأن المخلوقات

(1) منهاج السنة، ج2، ص 6

البلاغ المبين · الصفحة ٥٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٥٦٨