تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومقصوده بجهلهم هنا ليس عدم التمكن من العلم وعدم بلوغ الشرائع لفظًا أو معنى، وإنما مقصوده الجهل المركب ومعناه: فساد الاعتقادات مع الخلو من العناد ومع التمكن من العلم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ويتقربون بذلك إلى الله ويحسبونه من أعمالهم الصالحة التي تقربهم إلى الله وتدخلهم الجنة وهى خاصية الضلال.

وهؤلاء الذين توقفوا عن تكفير طائفة من الفرق بالمآلات لم يقطعوا بعدم كفرهم ولم ينكروا على من كفَّرهم وإنما أخذوا بالاحتياط في التوقف عن التكفير ولم يقولوا عن هؤلاء أنهم مثابون على اجتهادهم مغفور لهم خطؤهم كالخطأ في الاجتهاديات.

والله سبحانه وتعالى أعلم وهو الموفق.

المقاصد والتأويل:

والتأويل يكون لقصد الخير لكن بنوع من الاستدراك على الشرع ثقة بما ينبغي أن يتهم وهو الرأي واتهامًا لما ينبغي أن يوثق به وهو الشرع ومن هنا هلك الخوارج، ولذلك كان الأحنف يقول يوم صفين يا أيها الناس اتهموا الرأي فقد رأيتنا يوم الحديبية ولو استطعنا أن نرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددناه. ولذلك فإن استحلال القتل بالتأويل لا يكون اجتهادًا مثابًا عليه صاحبه مغفور له خطؤه في حق الخوارج، ومن كان على شاكلتهم لأنه ليس راجعًا إلى الاجتهاد، وإنما هو راجع إلى الرأي، ولذلك قال عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «شرُّ قتلي تحت أديم السماء» وسبب ذلك أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، بخلاف قتال الجمل وقتال صفين فإنه كان راجعًا إلى خطأ في الاجتهاد وليس للرأي، وقصد الخير قد يقع حتى من المشركين الخلَّص والكافرين كفرًا صريحًا ولكن على وجه حرموا فيه من العلم ووكلوا فيه إلى نذير أنفسهم وذلك لتحسين الظن بالعقل والاستدراك على الشرع والقول على الله بغير علم.

البلاغ المبين · الصفحة ٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٥٦٤