ووصف الضلال الذي لا ينفك عن وصف البدعة لا يخلو من عناد إذ هو زيغٌ عن الحق أولاً ثم اتباع للمتشابه فإنه يحمله على ما أصَّله من البدع ثم حمل المحكم عليه فيجعل المحكم متشابهًا والمتشابه محكمًا وذلك للبغي وغلبة الهوى لا لقصد البرهان وهو مع عناده للشرع والفساد الذي أدخله على الناس في أصل الشريعة وفي فروع الأعمال والاعتقادات يظن في ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة ولا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع وعلي الوجه الذي شرع وهو تاركه والبدعة تحبط الأعمال وهو ينتحلها والحجة قائمة عليه بالبينات والعلم وإذا كان وصف الضلال لا يخلو من عناد وإن كان الغالب فيه الجهل مع قصد الخير الذي قال عنه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ”كم من مريدٍ للخير لن يصيبه إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا أن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم“، فكذلك وصف العناد لا يخلو من ضلال وإنْ كان معنى الضلال هو فساد الاعتقادات ومعنى العناد هو صحة الاعتقادات مع جحد الحق أو معاندته بترك الموالاة والموافقة والانقياد، فإن أهل العناد موصوفون بالعلم تارة لبيان عظيم جرمهم ويذكرون بعدم العلم تارة أخرى وبالجهل لأن من علم الحق فلم يطلب الجنة ويهرب من النار فذلك علمٌ لم ينفع اللهُ صاحبه به فهو والجهل سواء. وعليه فإن أصحاب البدع ليسوا معاندين وهم متأولون أصحاب جهل مركب وقد قامت الحجة عليهم بزيغهم وتركهم للمحكم والواضح وتفرقهم في الدين وتفريقهم لدينهم فجاء التفريق من قبلهم لا من قبل الدليل وهم مع هذا يظنون أنهم يحسنون صنعًا وأن بدعتهم تقربهم إلى الجنة وتقربهم إلى الله وقصد الخير لا يمنعهم من الإثم لغلبة الهوي ومعارضة الشرع والاستدراك عليه فالمتأولون من أهل البدع مذمومون آثمون ورتب الذم والإثم متفاوتة حسب كل بدعة وكل نازلة، منها ما هو كفر صريح، ومنها ما هو كفر بالمآل، ومنها ما اتفق ليس بكفر والله أعلم».
البلاغ المبين · الصفحة ٥٥٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ٥٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي