وفي رواية أبي ذر - رضي الله عنه - «سيكون بعدي من أمتي قومٌ يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، هم شرٌّ الخلق والخليقة» ـ إلى غير ذلك من الأحاديث ـ إنما هى قوم بأعيانهم، فلا حجة فيها على غيرهم، لأن العلماء استدلوا بها على جميع أهل الأهواء، كما استدلوا بالآيات، وأيضًا فالآيات إن دلَّت بصيغ عمومها فالأحاديث تدل بمعانيها لاجتماع الجميع في العلة.
فإن قيل: الحكم بالكفر والإيمان راجع إلى حكم الآخرة، والقياس لا يجرى فيها. فالجواب: إن كلامنا في الأحكام الدنيوية، وهل يحكم لهم بحكم المرتدين أم لا؟ وإنما أمر الآخرة لله لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ (1) ويحتمل أن لا يكونوا خارجين عن الإسلام جملة، وإن كانوا قد خرجوا عن جملة من شرائعه وأصوله.
ويدل على ذلك جميع ما تقدم... ويحتمل وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون منهم من فارق الإسلام لكون مقالته كفر وتؤدي معنى الكفر الصريح، ومنهم من لم يفارقه، بل انسحب عليه حكم الإسلام وإن عظم مقاله وشنع مذهبه، لكنه لم يبلغ به مبلغ الخروج إلى الكفر المحض والتبديل الصريح.
ويدل على ذلك الدليل بحسب كل نازلة، وبحسب كل بدعة، إذ لا شك في أن البدع يصح أن يكون منها ما هو كفر كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، ومنها ما ليس بكفر كالقول بالجهة(2) عند جماعة وإنكار الإجماع وإنكار القياس وما أشبه ذلك.
(1) الأنعام، آية: 159.
(2) بل هم أهل السنة وليس في الأمر جهة ولكنهم أثبتوا النصوص كما جاءت كما مر.