ثم ينتهي بعد هذه المقابلة. إلى أن يقول(1): «ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية، فأما الكلية فهى السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة، ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين، فإنها مختصة بالكليات منها دون الجزئيات... وأما الجزئية فهى الواقعة في الفروع الجزئية، ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لايتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلاً تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة، فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول لها، ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبًا؟ كالفرقة والخروج عن الجماعة، وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة والفلتة، ولذلك لا يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في فرد من أفراد الفروع، ولا المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية فعلى هذا إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية وكونها بالتأويل، صحّ أن تكون صغيرة والله أعلم ومثاله مسألة من نذر أن يصوم قائمًا لا يجلس، وضاحيًا لا يستظل، ومن حرَّم على نفسه شيئًا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام، أو النساء أو الأكل بالنهار، وما أشبه ذلك... غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية، كما أن التأويل قد يقرب مأخذه وقد يبعد، فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل، فيعد كبيرة ما هو من الصغائر وبالعكس، فيوكل النظر فيه إلى الاجتهاد». أهـ.
(1) الاعتصام، ج2، ص 64.