فهذا ظاهر إذا اغتر بالبدعة من حيث هى معصية. فإذا نظرنا إلى كونها بدعة فذلك أعظم لأن المبتدع مع كونه مصرًا على ما نهى عنه يزيد على المصرِّ بأنه معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقدًا في المعصية أنها طاعة، حيث حسَّن ما قبَّحَهُ الشارع، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره، فهو قد قبَّح ما حسّنه الشارع، ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله. وقد قال تعالى في جملة من ذم ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (1) والمكر جلب السوء من حيث لا يفطن له، وسوء الخاتمة من مكر الله، إذ يأتي الإنسان من حيث لا يشعر به اللهم إنَّا نسألك العفو والعافية.
وأما اسوداد وجهه في الآخرة فقد تقدم في ذلك معنى قوله - عز وجل - ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ (2) وفيها أيضًا الوعيد بالعذاب لقوله ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ (3) وقوله - عز وجل - قبل ذلك: ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (4).
وأما البراءة منه ففي قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ (5)، وفي الحديث: «أنا برئ منهم وهم برآء مني» وقال ابن عمر - رضي الله عنه - في أهل القدر« إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئٌ منهم وأنهم برآء مني»... قال ابن وهب: وسمعت مالكًا إذا جاءه بعض أهل الأهواء يقول: أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاكّ، فاذهب إلى شاكٍ مثلك فخاصمه، ثم قرأ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ (6).
(1) الأعراف، الآية: 99.
(2) آل عمران، الآية: 106.
(3) آل عمران، الآية: 106.
(4) آل عمران، الآية: 105.
(5) الأنعام، الآية: 159.
(6) يوسف، الآية: 108.